التسوية جثمانيتك البشرية ، وكان من النفخ روحانيتك المعنوية ، وكل مخلوق خلق من كلمة كن وأنت كذلك ، وأنت زدت على ذلك بالتسوية والنفخ فمالك من بركات التسوية حركات جوارحك لخدمته ، ونالك من بركات النفخ حركات روحانيتك بمحبته ومعرفته ، فأنت أنموذج الكون ومراد الكون ، والكون مراد لا لنفسه بل لأجلك وأنت مراد لذاتك ، والحق سبحانه خلق الكون لأجلك وخلقك لأجل معرفته ومحبته
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » أي يوحدون وقيل يعرفون وهو معنى قوله « كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فحقت خلفا وتعرفت إليهم فبى عرفوني » .
ثم أعلم أن الكون نسخة منك وتزيد على ما في الكون بما خصك به معارفه وحكمه وأسراره وأنواره وتجلياته ومنازلاته كما أن الفيل وإن كبر شبحه نسخة من البعوضة وإن صغرت ، لأن فيها ما في الفيل من جميع أجزاء جوارحه وتزيد عليه بأجنحتها .
وقد شرحت ذلك في هذه الأبيات فافهم :
إذا كنت تقرأ علم الحروف * فشخصك لوح به أسطر
وتمثال ذلك أنموذج * لكل الوجود لمن يبصر
حروف معانيك لا تنقرى * لذي الجهل كلا ولا تظهر
ومن يك غدا بأسرارها * فمعروفها عنده منكر
لئن كان جزؤك جزء صغير * ففيك انطوى العالم الأكبر
هامش
( 1 ) [ سورة الذاريات : آية 56 ] .