فدخل الرجل الدار باكيا ، ووزن المبلغ وأخرجه ، فتوهمت امرأته أن بكاءه « 1 » حزنا على الدراهم .
فقالت له : هلا اعتذرت بعذر .
فقال : إنما أبكى لتقصيرى في اختبار أحوال صديقي حتى احتاج إلىّ وكاشفنى بحاله ابتداء منه .
وقال « مطرف » « 2 » لأصحابه وخدمه : إذا أراد أحدكم منى حاجة فليرفعها إلىّ في رقعة فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة .
وقيل : كان « أبو مرثد » « 3 » أحدكم الكرام فمدحه شاعر .
فقال له : ليس عندي ما أدفع إليك ، ولكن قدمني إلى القاضي وادّع علىّ عشرة آلاف درهم حتى أقرّ لك بها ، ثم أحبس ، فإن أهلي لا يتركونى محبوسا ، بل يعطونك المال ، ففعل ذلك ، فما أمسى حتى أعطوه المال كله .
وقيل : لما قدم الشافعي « 4 » من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف درهم .
هامش
( 1 ) في ( د ) أنبكائه ) .
( 2 ) ( مطرف ) بن عبد اللّه بن الشخّير المتعبد ، المتنسك ، كانت له كرامات منها : أنه إذا دخل بيتا سبحت معه آنية البيت ، وكان يضئ له سوطه كالسراج ليلا إذا سار .
مات رحمه اللّه سنه 195 ه .
انظر : المناوي : الكواكب الدرية 1 / 299 ، أبو نعيم : حليه الأولياء 2 / 198 .
( 3 ) ( أبو مرثد ) : لعله الغنوي .
( 4 ) ( الشافعي ) هو : أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي ، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، وإليه نسبت الشافعية كافة ، ولد في غزة بفلسطين سنة 150 ه ، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة ، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، وكان في ابتداء أمره يطلب الشعر والأدب ، ثم مال إلى الفقه ، فأخذ عن مسلم بن خالد الزنجي ، والإمام مالك بن أنس ، ثم قدم بغداد سنه 195 ه ، فاجتمع عليه علماؤها واخذوا عنه وذاع صيته ، ثم خرج إلى مكة ، وفي سنه 198 ه عاد إلى بغداد فأقام شهرا ، ثم قصد مصر سنه 199 ه ، ولم يزل ناشرا العلم بها إلى توفى سنه 204 ه ، وقبره معروف بها ويزار إلى الان .
اتفق أهل العلم والحديث والفقه واللعة والآدب على ثقته وأمنته وعدالته وزهده ، وورعه ، وحسن سيرته .
قال أحمد بن حنبل : ( ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الشافعي ) .
ترك مؤلفات هامه وعديدة أشهرها كتاب الأم ، والرسالة ، والمسند ، والسنن ، وغير ذلك .
انظر ترجمته في : الذهبي : تذكره الحفاظ 1 / 329 ، السبكي : طبقات الشافعية 1 / 185 ، طبقات