له إذ لم يكن تحت رق غير اللّه تعالى . فالعبودية بهذا الاعتبار هي الحرية عما سوى اللّه ، فلما خلق اللّه الروح خلقه عبدا للّه حرا عما سوى اللّه ، ثم خلق الموجودات فتصرف الروح فيها بخلافة الحق تعالى . وتعلق ببعضها لمناسبة ما معه فصار عبدا له . قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميصة » « 1 » .
ولما كان روح عيسى - عليه السلام - في بدء خلقه غير متعلق بشيء من الموجودات أخبر عن حاله فقال :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
[ مريم : 30 ] وكما كان روح محمد صلى اللّه عليه وسلم - تتخلص عن رق الموجودات وعرج به ليلة المعراج حتى عبر عن سدرة المنتهى . أخبر اللّه عنه فقال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] ففرق عظيم بين المقامين في العبدية بين من هو باق فيخبر عن نفسه وبين من هو فان عن نفسه باق بربه ، فيخبر عنه ربه بكل روح تجرد عن تعلق الكونين وحرر عن رقها استأهل لمقام العبودية ، وقيل لها : فادخلي في عبادي ، ثم يستحق بجذبات العناية ودخوله الجنة المضافة إلى الحضرة بقوله : وادخلي جنتي ، ولهذا الاستحقاق رد من جوار رب العالمين بالنفخ الخاص إلى أسفل سافلين القالب فافهم جدا . ثم اعلم أنك عبد من أنت في قيده وأسره ، إن كنت في أسر نفسك فأنت عبد لنفسك وإن كنت في أسر آخرتك فأنت عبد آخرتك وإن كنت في أسر مولاك فأنت عبد مولاك .
وقال سهل بن عبد اللّه : لا يصح التعبد لأحد حتى لا يجزع من أربعة أشياء :
من الجوع والعري والفقر والذل .
وقال ذو النون : العبودية أن تكون عبده في كل حال كما أنه ربك في كل حال .
قلت : العبودية أن تكون عبدا لربك في كل حال حرا عن رق الأشياء ولا تكون ربا لشيء فإن العبد وما يملكه لمولاه .
ومنها الفقر :
قال اللّه تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 273 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« الفقراء الصّبر هم جلساء اللّه يوم القيامة » « 2 »
وقال :
« يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الجهاد والسير ، باب الحراسة في الغزو في سبيل اللّه حديث رقم ( 2887 ) . ورواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الزهد ، باب في المكثرين ، حديث رقم ( 4135 ) ورواه غيرهما .
( 2 ) أورد البروسي في تفسيره ( روح البيان ) ، عند تفسير قوله تعالى :وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ .وأورده ابن عدي في « الكامل في الضعفاء » أحاديث مطرف أبو مصعب مديني اليساري الأصم ، [ ج 6 ص 377 ] .