وقيل في بعض الكتب المنزلة : عبدي أنا وحقك ، لك محب ، فبحقي عليك كن لي محبا .
وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يدعو :
« اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وسمعي وبصري وأهلي ومالي ومن الماء البارد » « 1 » .
فأراد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يكون حب اللّه تعالى أغلب في الطبع أيضا والجبلة من حب الماء البارد . وهذا الحب يشتمل على الذات والصفات من المحب المحبوب . وهذا كما قال بعضهم لبعض : كلي بكلك مشغول . فقال : كلي لكلك مبذول .
وقد كتب إلي في أثناء السلوك بعض أجلة المشايخ : اعلم يا أخي أنه بقدر ما تكون له يكون لك . وقد كنت في الخلوة بخوارزم فوقع هذا الكلام على قلبي وأثر فيّ أثرا عظيما .
فقلت في نفسي : أكون له بكليتي حتى يكون لي بكليته وعزمت أن لا أخرج من الخلوة سنين كثيرة أو بقية عمري . فقعدت بقدر ثلاث سنين أقل أو أكثر فأخرجني منها شيخي - قدس اللّه روحه - بغير اختياري وألزمني ملازمة خدمته واستفادة صحبته إلى أن صار الأمر إلى ما صار .
ومنها المراقبة :
قال اللّه تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً
[ الأحزاب : 52 ]
وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في جواب جبريل - عليه السلام - عن قوله : ما الإحسان ؟
« قال : الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » .
إشارة إلى حال المراقبة لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه وتعالى عليه واستدامته لهذا العلم مراقبة لربه عز وجل .
اعلم : أن المراقبة من أعلى مقامات الروح ولا يتمكن أحد في هذا المقام إلا بعد فراغه عن المحاسبة وعبوره عن المقامات القلبية ، ولكنها مستعملة في جميع المقامات ولها في كل مقام حظ من الخير . فمراقبة الأبدان ، بالمحافظة على أركان الشريعة ، ومراقبة النفوس بملازمة آداب الطريقة ، وتهذيب الأخلاق بمراقبة القلوب وبمخالصة الأعمال ورعاية الأحوال عن التغير بالآمال ، ومراقبة الأسرار ، عن إسبال بالنظر إلى الأغيار .
ومراقبة الأرواح عن التدنس بصفات الأشباح متخلقا بأخلاق الملك الفتاح ، ومراقبة اللّه
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، تفسير سورة ص بسم اللّه الرحمن الرحيم ، حديث رقم ( 3621 ) [ ج 2 ص 470 ] ورواه الترمذي في سننه ، كتاب الدعوات ، باب ( 73 ) حديث رقم ( 3490 ) ورواه غيرهما بألفاظ متقاربة .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .