بخلو القلب وصفاء السر ولزوم الباب لمواهب رب الأرباب .
وحقيقة المراقبة :
أن يكون اللّه رقيبا للعبد على جميع حالاته ، حافظا له ومعينا في جميع مقاماته .
وقال بعضهم : من راقب اللّه في خواطره عصمه اللّه في جوارحه .
وقال الجنيد : من تحقق بالمراقبة خاف على فوت حظه من ربه لا غير وكان بعض المشايخ له تلامذة وكان يخص واحدا منهم بإقباله عليه أكثر مما يقبل على غيره . فقالوا له في ذلك . فقال : أبين لكم فدفع إلى كل واحد من تلامذته طيرا وقال له : اذبحه بحيث لا يراه أحد . ودفع إلى هذا الغلام أيضا فمضوا ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طيره وجاء هذا بالطير حيا . فقال : هلا ذبحته ؟ قال : أمرتني بحيث لا يراه أحد ولم أر موضعا ألا يراه أحد . فقال : لهذا أخصه بإقبالي عليه .
وقال ذو النون : علامة الإيثار ما آثر اللّه تعالى ، وتعظيم ما عظم اللّه تعالى ، وتصغير ما صغر اللّه تعالى .
قلت : من يراقب اللّه تعالى بعبوديته يراقبه اللّه بربوبيته ومن لم يراقبه اللّه بربوبيته لم يراقبه اللّه بعبوديته فمن يراقب اللّه بأعماله يراقبه بأحواله . ومنها العبودية : قال اللّه تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( 99 ) [ الحجر : 99 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله ؛ إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في اللّه اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ، ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال : إني أخاف اللّه تعالى ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا يعلم شماله ما تنفق يمينه » « 1 » .
اعلم : أن العبودية من أكمل مقامات الروح . لأنه أول عبد عبد اللّه مخلصا حين لم يكن شيء مع اللّه يعبد اللّه أو يعبد له من دون اللّه . فإنه أول من تعلقت القدرة به وهو في الحقيقة روح محمد - صلى اللّه عليه وسلم - . ولهذا خصه اللّه تعالى باسم العبدية مطلقا حيث قال تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] وقال :
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى
( 10 ) [ العلق : 9 ، 10 ] [ العلق : 10 ] ولأنه كانت العبودية مسلمة
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب فضل إخفاء الصدقة ، حديث رقم ( 91 - 1031 ) .
ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب الآذان ، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة . . . ، حديث رقم ( 660 ) ورواه غيرهما .