باللّه ؟ . فقال : إذا صح الافتقار إلى اللّه صح الاستغناء باللّه ، وإذا صح الاستغناء به كمل الغنى به ، فلا يقال أيهما أتم ، الافتقار أم الغنى ، لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى .
وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى موسى - عليه السلام - : إذا رأيت الفقراء فسائلهم كما تسائل الأغنياء ، فإن لم تفعل فاجعل كل شيء عملته تحت التراب .
وروى
عن أبي الدرداء أنه قال : لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحب إليّ من مجالسة الغني ، لأني سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « إياكم ومجالسة الموتى . قيل :
ومن الموتى ؟ قال : الأغنياء » « 1 » .
قال إبراهيم بن أدهم : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى ، وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر .
قال ابن الكرمني : إن الفقير الصادق يحترز من الغني حذارا من أن يدخل عليه فيفسد عليه فقره ، كما أن الغني يحترز من الفقر حذارا أن يدخل فيفسد غناه عليه وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى موسى - عليه السلام - : تريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الخلق أجمع ، قال : نعم قال : عد المريض وكن لثياب الفقراء فاليا ، فحمل موسى - عليه السلام - على نفسه في كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يغلي ثيابهم ويعود المرضى .
وقال سهل بن عبد اللّه : خمسة أشياء من جوهر النفس : فقير يظهر الغنى ، وجائع يظهر الشبع ، ومحزون يظهر الفرح ، ورجل بينه وبين رجل عداوة فيظهر المحبة ، ورجل يصوم النهار ويقوم الليل فلا يظهر ضعفا .
وقال بشر الحافي : أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر .
قلت : وتصحيح هذا القول : إن اللّه تعالى أراني في بعض مكاشفاتي العالم بأسره وفي طرف منه رسم . فقال لي : ما ترى ؟ قلت : العالم بأسره فقال : هل تدري ما هذا الرسم ؟ قلت : لا يا رب قال : هذا رأس سكة الفقراء فاحفظه ولازم عتبته .
وها أنا أعالج نفسي في لزوم هذه العتبة منذ خمسين سنة بفضل اللّه ومنه .
ومنها التصوف :
قال اللّه تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ فاطر : 32 ]
وعن أنس بن مالك ، قال لي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن قدرت أن تصبح
هامش
( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .