الباب العاشر في معرفة الروح ومقاماته
الفصل الأول في معرفة الروح وماهيته
قال اللّه تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( 85 ) [ الإسراء : 85 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« إن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » « 1 »
، وقال :
« أول ما خلق اللّه روحي » .
فاعلم أن الناس في أمر الروح ومعرفته تحزبوا أحزابا كثيرة من الحكماء الأوائل والعلماء المتقدمين من الصحابة والتابعين والمتأخرين من المشايخ المعتبرين ، أو أطنبوا فيه الكلام وأكثروا فيه الاختلاف وأطلقوا عنان النظر في مسارح الفكر وخاضوا غمرات ماهية الروح ، فأكثرهم تاهوا في التيه وتنوعت آراؤهم فيه ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح إلا ما شاء اللّه ، فنحن لا نطول بنقل مقالاتهم وتقرير خيالاتهم . فإن أكثرها نتائج العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال ولم تكتحل عيونها بكحل الاقتداء بالأنبياء ، فلم يصبها نور الاهتداء ، وأما ما نقل عن الأئمة والعلماء الراسخين في العلم . فقال بعضهم : إنه جسم لطيف وقال بعضهم : إنه عرض .
وقال بعضهم : إنه جوهر قائم بنفسه ولكنه مخلوق . وقال الأكثرون : إن اللّه تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا : إن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن عالما به قلت :
جل منصب حبيب اللّه ونبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يكون جاهلا بالروح مع أنه يكون عالما باللّه ، وقد من اللّه عليه بقوله :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[ النّساء :
113 ] هب أن علم الروح مما لم يكن يعلمه ألم يخبر اللّه أنه علمه ما لم يكن
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في لسان الميزان [ ج 3 ص 407 ] ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 315 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .