قبل صورة معقول ما ، وثبت تلك الصورة فيه ازداد بها قوة على تصور معقول آخر إليها من غير أن يفسد الصورة الأولى فلا يكون جسما ، وهو أصفى الجواهر وأنورها وأعلاها وأقربها إلى الحضرة ، وهو المستعد لخلافة اللّه تعالى في الأرض ، وهو الحي السميع والبصير المتكلم العالم القادر المريد الباقي ، خلافة عن اللّه عز وجل . وقد عرفه اللّه بقوله : قل الروح من أمر ربي أي من قبيل عالم الأمر لا من قبيل عالم الخلق ، وذلك أن اللّه تعالى خلق العوالم كثيرة ، كما جاء في الخبر بروايات مختلفة ، فقال في بعض الروايات :
« خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم » « 1 »
وفي رواية أخرى :
« وسبعين ألف عالم » « 2 »
، وفي رواية :
« ثمانية عشر ألف عالم » « 3 »
، ولكنها محصورة في عالمين اثنين وهما الخلق والأمر . كما قال تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 54 ] فعبر عن عالم الدنيا وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة بالخلق وعبر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة . وهي :
العقل والقلب والسر والروح والخفي بالأمر . فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي خلقها اللّه تعالى للبقاء من الروح والعقل والقلم ، وسمي عالم الأمر أمرا لأنه أوجده بأمر كن من لا شيء بلا واسطة شيء . كما قال :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
ولما كان أمره قديما فما كون بالأمر القديم كان باقيا وإن كان حادثا . وسمي عالم الخلق خلقا لأنه أوجده بالوسائط من شيء مخلوق سماه خلقا خلقه اللّه للفناء . فتبين أن قوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] إنما هو لتعريف معناه أنه من عالم الأمر والبقاء . لا من عالم الخلق والفناء وأنه ليس للاستبهام كما توهموه جماعة .
ثم اعلم أن الروح الذي تعلقت به القدرة بأمر كن أولا هو روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لقوله :
« أول ما خلق اللّه روحي »
« 4 » وفي رواية : « نوري » « 5 » فإن قيل : روى أنه - صلى اللّه عليه وسلّم - قال أيضا :
« أول ما خلق اللّه العقل » « 6 »
وقال :
« أول ما خلق اللّه القلم » « 7 »
. وقال :
« أول ما خلق اللّه تعالى جوهره » « 8 »
ولا يحتمل أن يكون المخلوق الأول المطلق إلا واحدا ؛ لأن الشيئين المتغايرين لا يكون كل واحد منهما أولا في التكون والوجود على الإطلاق . إذ لا يخلو إما إذ أحدثا مصاحبين أو أحدثا متعاقبين : فإن أحدثا مصاحبين معا فلا يختص أحدهما من
هامش
( 1 و 2 و 3 ) أوردها الألوسي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى :وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ.
( 4 و 5 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 826 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
( 6 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 826 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
( 7 ) المرجع السابق حديث رقم ( 822 ) .
( 8 ) المرجع السابق حديث رقم ( 823 ) .