الآخر بالأولية فلا يكون واحد منهما أولا على الانفراد وإن أحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولا والمتعاقب ثانيا فيكون الأول واحدا منهما لا محالة . ولا يجوز الخلف في كلام النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لأنه جاء بالصدق وأنه - صلى اللّه عليه وسلّم - قد أثبت الأوليات . قلنا المخلوق الأول هو مسمى واحد وله أسماء مختلفة فبحسب كل صفة فيه سمي باسم آخر ، وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبع ، فلا ريب أن أصل الكون كان النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لقوله : لولاك لما خلقت الكون فهو أولى أن يكون أصلا وما سواه أولى أن يكون تبعا له ، لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى ، فكما أن الثمرة تخرج من فرع الشجرة كان خروجه إلى قاب قوسين أو أدنى ، ولهذا قال : نحن الآخرون السابقون أي السابقون بالخروج كالثمرة ، والسابقون بالخلق كالبذر ، فيلزم من ذلك أن يكون روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - أول شيء تعلقت به القدرة وأن يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة ، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمى درة وجوهرة . كما جاء في الخبر :
« أول ما خلق اللّه جوهرة » « 1 » .
وفي رواية « درة » « 2 » . فنظر إليها فذابت فخلق منها كذا . وإنما باعتبار روحانيته سمي روحا وباعتبار نورانيته سمي نورا وباعتبار وفور عقله سمي عقلا .
ونقل عن بعض الكبراء من الأئمة : أن أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبي يسمى العقل . وهو صاحب القلم بدليل توجه الخطاب عليه في قوله أقبل ، فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر والحديث قول النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - :
« أول ما خلق اللّه العقل .
فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أحب إليّ منك ، بك أعرف وبك آخذ وبك أعطي وبك أعاقب وبك أثيب » « 3 » .
وفي رواية : « وبك أعبد » ولما سماه قلما . قال له أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا .
وقد قيل لخالد بن الوليد - رضي اللّه عنه - سيف اللّه فباعتبار غلبة صفاته الملكية يسمى ملكا . وسمي الملك عقلا لوفور عقله ، وقلما باعتبار كتابته على لوح الوجود ، وإذا أمعنت النظر وجدت كلما وصف النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - به العقل وحكى عنه هو خاصية من خواص روحه الشريف - صلى اللّه عليه وسلّم - وهو قوله : « أول ما خلق اللّه العقل ، فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر » وهذا حال روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - أنه أول ما خلق اللّه من خلق . إذ قال له أقبل إلى الدنيا على طريق التجارة لتربح من تجارتك أسبابا تحتاج إليه في المعرفة ، فإن روحك كان عارفا
هامش
( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .
( 2 ) هذا الحديث سبقت الإشارة إليه .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .