يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية .
قال أبو بكر الوراق : « وجدت خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلة ووجدت شرهما في الكثرة والاختلاط .
روى أن داود - عليه السلام - لما ابتلى بالخطيئة خر للّه ساجدا أربعين يوما وليلة حتى أتاه الغفران من ربه .
وأما فتوحات الأربعينية ، فأكثر من أن تحصى وأعظم من أن تروى ، فإنها من المواهب ، والمواهب على قدر المراتب ، فكما لا نهاية للمراتب لا نهاية للمواهب .
ففتوحات أهل البدايات من اللوامع والبروق والطوالع والسواطع والطوارق واللوائح ، وهي التي استخرجت باصطكاك غيوم البشرية عند هبوب نسمات الذكر من أنوار شموس الصفات الروحانية ، فتفيد التلذذ بالمعاني العقلية ثم التنعم بحقائق الصفات القلبية ثم التواجد بالواردات الروحانية والتشوق بالإلهامات الربانية .
طوارق أنوار تلوح إذا بدت * فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع
وفتوحات أهل الوسائط من المحاضرات والمكاشفات والمشاهدات . فصاحب المحاورة حاضر بالقلب في مقام القرب باستيلاء سلطان الذكر فهو متنعم بنعيم الدرجات الفردوسية ، وصاحب المكاشفة قد كشف عنه الغطاء ورفع عنه العماء وتبدل بيانه بالعيان واستغنى عن البرهان ، وصاحب المشاهدة : مستغرق في بحر شواهد الأنوار وآثار قرب الجوار ، وقد صحت سماء سره عن غيوم أوصاف نفسه ، وتجلت شمس روحه مشرقة بشهود أنوار الغيب فصار ليله نهارا وخفيه جهارا ، كما قيل :
ليلي بوجهك مشرق * وظلامه في الناس ساري
والناس في سدف الظلام * ونحن في ضوء النهار
وفتوحات أهل النهايات : من الفناء والبقاء ودوام اللقاء ، فصاحبها بدوام الذكر بعد أن أفنى أفعال نفسه في أفعال ربه بملازمة الشريعة ، وصفاته في صفاته بمزاولة الطريقة حتى يتجوهر القلب بنور الذكر ، وتعدى الذكر عن كسوة الحرف والصوت وانطبع نوره في مرآة القلب المصفاة عن دنس أوصاف البشرية ، ثم يسرى إلى الروح ويتجوهر الروح بجوهر الذكر ويتخذ الذكر والذاكر فيكون الذكر ذكر الذات ، وحينئذ يتنور أجزاء الموجودات بنور ذكره لأنه محيط بها وبذكر اللّه معه ، ثم إليه يصعد الكلم الطيب والذكر الطيب هو الذي لم يكن معلولا بعلة دنياوية ولا أخراوية ويكون خالصا للّه بأن يذكره ببذل وجوده وإفنائه فيه بمباشرة الحقيقة على مقتضى حقيقة قوله :
فَاذْكُرُونِي
[ البقرة : 152 ] فيبقيه به على قضية
أَذْكُرْكُمْ
وهو عبارة عن تجلي