اعلم أن الرضا عن اللّه ليس من شأن الإنسان ، لأن الإنسان ظلوم كفار وإنما رضاه عن اللّه تعالى من نتائج رضا اللّه عنه . مهما رضى اللّه عن العبد يوفقه للرضا عنه . ولهذا المعنى اختلف المشايخ في أن الرضا من المقامات أو من الأحوال ، فقال بعضهم : الرضا من الأحوال لأنه من مواهب اللّه تعالى والمقامات من المكاسب والأحوال من المواهب . وقال بعضهم : الرضا من المقامات وهو نهاية التوكل ، يتوصل إليه العبد بالاكتساب ويحتمل الجمع بين القولين ، بأن يقول : بداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من المقامات لقوله - صلى اللّه عليه وسلم - :
« ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا » « 1 » .
وقال :
« إن اللّه بحكمته تعالى جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط » « 2 »
ونهايته من جملة الأحوال ، ليست بمكتسبة ، قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب تعالى قد أشرف ، فقال : يا أهل الجنة سلوني فقالوا :
نسألك الرضا عنا ، فقال : رضاي أحلكم داري وأنا أحل لكم كرامتي هذا أوانها ، فسلوني قالوا : نسألك الزيادة قال : فيؤتون بسحائب من ياقوت أحمر إذ منها زمرد أخضر وياقوت أحمر فجاءوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها ، فيأمر اللّه بأشجار عليها الثمار وتجيء جوار من الحور العين وهن يقلن نحن الناعمات فلا نبوس ونحن الخالدات فلا نموت ، أزواج قوم مؤمنين كرام . ويأمر اللّه عز وجل بكثبان من مسك أبيض أذفر ، فيثير عليهم ريحا يقال له الميثرة حتى ينتهي بهم إلى جنة عدن وهي قصبة الجنة ، فتقول الملائكة : يا ربنا قد جاء القوم ، فيقول اللّه تعالى : مرحبا بالصادقين مرحبا بالطائعين ، قال : فيكشف عنهم الحجاب ، فينظرون إلى اللّه عز وجل ، فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضا ، ثم يقول :
ارجعوهم إلى القصور بالتحف ، قال : فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « فذلك قوله تعالى :
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 ) [ فصّلت : 32 ] » « 3 » .
وقال المشايخ : الرضا باب اللّه الأعظم يعني من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى وأكرم بالتقريب الأعلى .
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر إثبات طعم الإيمان . . . ، حديث رقم ( 1694 ) [ ج 4 ص 592 ] .
ورواه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ( 10 ) حديث رقم ( 2623 ) .
( 2 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 10514 ) [ ج 10 ص 215 ] .
( 3 ) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ، حديث رقم ( 5746 ) [ ج 4 ص 325 ] والسيوطي في الدر المنثور عند تفسير قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا .