يا عين سحي أبدا * يا نفس موتي كمدا
ولا تحبي أحدا * إلا الجليل الصمدا
فلما رآني قال : يا شيخ أنت على ضعف من اليقين بعد .
ثم اعلم أن اليقين من مقامات لا ينقطع السير فيها إلى الأبد لأنه ثمرة شجرة المعرفة وهي غير متناهية فثمرتها تكون غير متناهية . فكما أن للعارف في مقام السير في اللّه تتجدد المعرفة ويزيد مع لحظاته إلى الأبد ، كذلك يتجدد للموقن السائر في مقام حق اليقين بحسب المعرفة مزيد في اليقين إلى الأبد . وقد خص اللّه حبيبه المجتبى ونبيه المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - بهذه المرتبة السنية ، فقال :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( 99 ) [ الحجر : 99 ] أي كن ثابتا على قدم العبودية إلى الأبد ليزداد لك المعرفة واليقين بلا نهاية .
وإنما فسر علماء الظاهر اليقين ههنا بالموت ؛ لأن اليقين بالآخرة وسؤال المنكر والنكير والثواب والعقاب يحصل بالموت ، فإن فيه كشف الغطاء ، كقوله تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] وقد كشف غطاء السائرين إلى اللّه تعالى في حياتهم ووصلوا إلى مقام الإيقان بعد الإيمان بل حصلوا في مقام العيان حتى قال بعضهم : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا واليقين يورث الصبر وقد مر الكلام على الصبر وما بلغ من بلغ هذه المراتب وما عبر عن هذه المقامات إلا بالصدق .
فصل في الصدق
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
( 119 ) [ التّوبة :
119 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » .
اعلم أن على الصدق مدار جميع المقامات في السير إلى اللّه ولا يمكن الوصول إلى الحضرة إلا بقدم الصدق كما قال تعالى :
لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ يونس :
2 ] . وقال بعضهم : الصدق سيف اللّه ما وضع على شيء إلا قطعه ، الصدق ينافي الكذب في الأقوال والأعمال والأحوال ، فمن صدق في الأقوال فهو صادق ، ومن صدق في الأعمال فهو صدوق ، ومن صدق في الأحوال فهو صديق .
هامش
( 1 ) رواه الطيالسي في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود ، حديث رقم ( 247 ) . ورواه الطبراني في المعجم الصغير ، حديث رقم ( 683 ) [ ج 2 ص 8 ] .