ولما وقف بعض العارفين على هذا المقام قال : الطريق مسدود ، والسالك مردود ، يعزي هذا القول إلى أبي يزيد البسطامي .
وقال : الكذب وصف للخبر ، يحدث بتوهم السامع ، حيث يجعل المخبر به في غير الموضع الذي رآه فيه للمخبر أو سمعه ، فما كذب مخبر قط فيما أخبر به من جهة الحقيقة « 1 » .
وقال : إذا توجه القلب إلى شيء فلا يسعه غير ما توجه إليه ، وإذا كان الأمر على هذا فلا كلفة في دفع ما سوى اللّه عن القلب وقد قرب الطريق .
فاجعل شاهد القلب الحق ، يذهب ما سوى الحق .
وقال : إن اللّه في كل شيء كما هو ، في السماوات والأرض من غير تكييف ولا تحديد ، بل كما ينبغي لجلاله
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
.
وقال : الحس يدرك بالحس ، والخيال بالخيال ، والغيب بالغيب ، ودع عنك ما يطرأ من الوهم في إدراك الغيب بالحس إذا كان غيبا .
وقال : الرؤية علم ، فكل معلوم مرئي ، فالعدم مرئي ، وهو وقوع الرؤية على لا شيء ، فالعالم مرئي للّه تعالى وهو معدوم ، ومسموع له وهو معدوم .
وقال : رؤية القلب غيبا بغيب ، ورؤية العين حسا بحس ، والمشاهدة رؤية لا مشاهدة ، والمشاهدة في الدنيا كأنك تراه ، لا أنك تراه . فالمشاهدة بين الحس والغيب .
وقال : الرؤية والكلام لا يجتمعان ، فإذا أسمعك لم تشهد ، وإذا أشهدك لم تسمع .
وقال : الذي منع الخلق من رؤية الحق كونهم في قبضته ، فهم في ظلمة القبض لا يبصرون ، وإذا بسط يده رأوه .
هامش
( 1 ) مثال ذلك المتنبيء الكاذب ، ليس كاذبا في الحقيقة من حيث أن هناك نبوة وأنبياء ، فلما قال كذبا : أنا نبي . فقد حول النبوة عن مكانها الصادق إليه كذبا وهكذا الكافر يقول : الوثن ربي . فإسناد الربوبية إلى الوثن كذب لأنه تحويل لها عن حقيقتها . والربوبية صدق . هكذا .