وقال : من رآى نفسه برؤية ربه إياه « 1 » . إذا لأوجبت له [ تلك الرؤية ] نعوت العلا ، فلا يلام . ولا يرام .
وقال : لا تعرف وحدانية الحق إلّا من وحدانيتك . فلا ترى إلّا واحدا .
ولا تراه إلّا به . فيكون الواحد يرى نفسه ، وما أنت ثم ، ولا [ أنت ] هو . فبهذه النسبة يثبت التوحيد الصحيح ، وعزيز واجده « 2 » .
وقال : كل مشهد بقيمك الحق فيه ، وبينك وبينه ذكر الأغيار ، أو ذكر نفسك ، وتزعم أن ذلك قرب فليس ذلك بقرب ، لكنك مجاور غير كائن في المقام . فإن القرب الإلهي يذهب الأكوان والأعيان إذا كنت فيه كائنا قيل لبعضهم : اذكرني في خلوتك بربك . قال : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة ، فإذا الذكر كون .
وقال : بعض الناس اعتذر عن إبليس . فإن اللام ما أبقت له حجة لو كان مسارعا إلى مرضاة ربه « 3 » . وبعض الناس خاصم آدم فحوجج ، فحج آدم موسى ، فليته خاصم إبليس « 4 » .
هامش
( 1 ) أي بما أفاض اللّه عليه من معرفته ، لا بالدليل والنظر والفكر ، فلا يحاول التصنع ولا التأمل إلّا في الغيب دون فرق .
( 2 ) الإنسان متكثر من أعضاء ومدارك مختلفة ، ولكنه في مجموعه واحد ، فلا يمكن إطلاق اسم الإنسان على اليد أو الرجل ، وكذلك في إدارك التوحيد المفاض لا المصنوع بالفكر ، فلا تمييز ، ولا حلول ، ولا اتحاد لا فيه تعالى منك ، ولا فيك منه تعالى ، لأن حقيقة المعنى له لا لك .
( 3 ) فاللام تشير إلى أن المراد السجود وهو للإبداع والخلق في آدم ، لا لشخص آدم .
( 4 ) قال موسى لآدم : أنت الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة . فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه برسالته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق . فحج آدم موسى .
وهذا عتاب من موسى لآدم على مخالفة الأمر ، واعتذار من آدم بالحقيقة ونفوذ الحكم ، فلم لا يقبل من المشركين في قولهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْناولا من البخلاء في قولهمأَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُفإن هذا أيضا احتجاج بالحقيقة ونفاذ الحكم ؟
والجواب : إن الاحتجاج بالحكم مع الإصرار على المعصية غير مقبول فإذا دعي العاصي إلى الطاعة ، والكافر إلى الإيمان فلم يقبل وقال : لا حيلة لي إلّا بمشيئة اللّه ، واستمر على ما هو عليه ، لم يقبل منه . فقول المشركين السابق حق أريد به باطلا ، فلم يقولوه توحيدا وتسليما ، وإنما قالوه ردا للأمر ، وإصرار على المخالفة وآدم كان تائبا راجعا نادما ، فقبل احتجاجه .