وبلغ بيت المقدس « 1 » وكشف له من سر ما أودع فيه من قيام الساعة
اخْلَعْ نَعْلَيْكَ
تنبيها على أنه انتهى سفرك ، وبلغ ما كان المراد بك من التقرب ، ولهذا قيل له :
إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
أي هذا هو الوادي الذي أودع فيه سر قيام الساعة ، ورجوع الخلائق إلى اللّه ، فاخلع نعليك ، وألق عصاك ، فإن النعل وأخذ العصا من توابع السفر ، وخلع النعل وإلقاء العصا من أعلام الإقامة ، قال الشاعر :
فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالأياب المسافر
وأما الباطن : فإن حقيقة النعل : ما يكون وقاية لقدم الصدق من عوائق طريق القلب إلى اللّه ، وما فيه من وعر وشوك ، كما نبه عليه ( ص ) « 2 » : « تعس عبد الدينار ، وتعس عبد الدرهم ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش » فنبه بهذا على أن أفتتان القلب بزينة الدنيا يعوق قدم الصدق عن السير إلى اللّه ، فإن عظم في عينه منها تعس به ، وأن احتقره واستهان به ، كان بمثابة الشوكة تدخل في قدم السائر ، فإن انتقش أي أخرجه بمنقاش الاستغفار ، وألقاه بالزهد فيه :
سلم وسارع بقدم صدقه إلى اللّه ، وأن أهمله كان بمثابة الشوكة التي يهملها صاحبها حتى تتمكن ، ويفسد بها الدم ، ويحصل المرض والوقوف عن السير ، وربما تمكنت فكانت سببا للموت ، أو زمانه « 3 » القدم ، والنعلان يقيان من ذلك ، وهما الرجاء فيه ، والخوف منه .
فموسى لما خرج خائفا يترقب ، وقال عند التوجه :
عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي
هامش
( 1 ) قوله : وبلغ بيت المقدس ، لعله يريد الوادي المقدس ، وهي سقطة من الناسخ ، وكم بين الطور وبين بيت المقدس . قال تعالى في القصص :آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراًوقال سبحانه في طه :فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىًا ه مخيون .
( 2 ) روى البخاري في صحيحه في الجهاد ، عن أبي هريرة : « تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة : ان أعطى رضى وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه : أشعث رأسه ، مغبرة قدماه : إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، وإن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع » ا ه مخيون .
ورواه ابن ماجة .
( 3 ) زمن زمنا وزمانة ، من باب تعب : مرض مرضا يدوم طويلا ، والزمانة الآفة ، ا ه مخيون .