فبقيت بعدهم هذه النشأة الترابية أرضا موحشة بيداء ، لا ظل فيها ولا نفس ولا ماء ، فغيبت عن البصر في الحفر ، لوجد الضرر في البشر ، حكمة [ إلهية ] « 1 » علوية غراء : ليردهم إليها على صفتين : صفة واضحة بيضاء ، وصفة كالحة سوداء ، لما جعل في حبسها « 2 » الأول مناقب المعارف ، والحكم موقوفة على ارتفاع الهمم ، وجعل مثالب الجهالات والظلم في محال الشكوك والتهم ، فتركها لحما على وضم « 3 » ، وذلك لتصح اليدان بالبعد والقرب ، وتثبت القدمان بالتواضع والعجب ، وتحقق القبضتان بالكشوفات والحجب ، ويعلم شرف الإنسان بتحصيله أسرار الشرق والغرب ، على سائر الأكوان من العالم الملكي والفلكي والطبيعي ، الجامع للحار والبارد ، واليابس والرطب .
أحمده سبحانه حمد من قهره العز ، فرد حمده إليه .
وأشكره شكر من قام به العجز ، فأعاد شكره عليه ، فتسامى على كل حمد وشكر : حمده وشكره ، وتعالى على « 4 » كل عرفان ونكر : عرفانه ونكره ، لما أن رأى أن رقيقه « 5 » القديم أولى بالتقديم في ذلك ، فكان بهذا القدر عند أهل القدر ، السيد المالك .
والصلاة على من فرضت عليه الصلاة « 6 » فبقيت الباب المحققين حائرة فيما وهبه واهب العقل ، حين نظرت بأعين بصائرها [ فيه ] « 7 » وبأعين أبصاره « 8 » إليه ، فصلت عليه في حال الغنا « 9 » ليتولى تلك الصلاة مفرضها مانح السنا والنساء « 10 » صلّى اللّه عليه وعلى آله ما دام تعطش هذه الأرض لما أودع اللّه من غذائها في هذه الجرباء « 11 » .
هامش
( 1 ) هي زيادة في المطبوعة .
( 2 ) زيادة في المطبوعة .
( 3 ) الوضم : ما وقي به اللحم من الأرض .
( 4 ) في المطبوعة « عن » .
( 5 ) في المطبوعة « رفيقه » .
( 6 ) في المطبوعة : « والصلاة على من فرضت علينا الصلاة عليه » وهو الأوفق .
( 7 ) من المطبوعة .
( 8 ) في المطبوعة « أبعارها » .
( 9 ) « الغنا » بكسر الغين والقصر : الاستغناء ، وفي المطبوعة . « الفناء » بالفاء .
( 10 ) السنا بالقصر : الضوء ، والسناء بالمد : الرفعة .
( 11 ) الجرباء : السماء ، أو الناحية التي يدور فيها فلك الشمس ( كذا في القاموس ) .