ثم إن اللّه جلّ ثناؤه : أراد أن يزيد في فضله وإحسانه ، وجوده وأنعامه فنا آخر ، هو أشرف وأجل من هذه التي تقدم ذكرها ، وهو ما أكرم من ملائكته وخالص عباده وأهل وداده في النعيم الأبدي ، الذي لا يشوبه شيء من النقص ، ولا من التنغيص « 1 » ، إذ كان نعيم الدنيا مشوبا بالبؤس ، ولذاتها بالآلام ، وسرورها بالحزن ، وفرحها بالغم ، وراحتها بالتعب ، وعزها بالذل ، وصفوها بالكدر ، وغناها بالفقر ، وصحتها بالسقم .
وأهلها فيها : معذبون في صورة المنعمين ، مغرورون في صورة الواثقين ، مهانون في صورة المكرمين ، وجلون في صور المطمئنين ، خائفون مترددون بين المتضادين : نور وظلمة ، وليل ونهار ، وصيف وشتاء ، وحر وبرد ، ورطب ويابس ، وعطش وري ، وجوع وشبع ، ونوم ويقظة ، وراحة وتعب ، وشباب وهرم ، وقوة وضعف ، وحياة وموت ، وما يشاكل هذه الأمور التي أهل الدنيا وأبناؤها فيها مترددون ، مدفوعون إليها ، متحيرون .
فأراد ربي - أيها الراهب - أن يخلصهم من هذه الأمور ، والآلام المشوبة باللذات ، وينقلهم منها إلى : نعيم لا بؤس فيه ، ولذة لا ألم فيها ، وسرور بلا حزن ، وفرح بلا غم ، وعز بلا ذل ، وكرامة بلا هوان ، وراحة بلا تعب ، وصفو بلا كدر ، وأمن بلا خوف ، وغني بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وحياة بلا موت ، وشباب بلا هرم ، ومودة بين أهلها ، وزينة .
فهم في نور لا يشوبه ظلمة ، ويقظة بلا نوم ، وذكر بلا
هامش
- ( ع ) :لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِعزيز مصر ، الذي هو في داره ، ومنها قوله تعالى :اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَوهو الملك .
( 1 ) المقصود : إنه لا هو ناقص ، ولا منغص أحد .