غفلة « 1 » ، وعلم بلا جهالة ، وصداقة بين أهلها بلا عداوة ، ولا حسد ، ولا غيبة - أخوانا على سرر متقابلين - آمنين مطمئنين ، أبد الآبدين .
ولما لم يمكن الإنسان أن يكون بهذا الجسد الحسي ، والجسم الطويل العريض العميق المظلم ، المركب من أجزاء الأركان المتضادة ، المؤلف من الأخلاط الأربعة ، إذ كان هذا لا يليق بتلك الأوصاف الصافية ، والأحوال الباقية ، فاقتضت العناية بواجب حكمة الباري جل ثناؤه : أن ينشئ خلقا نشأ آخر ، كما ذكر في قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
النشأة الآخرة ،
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فبعث اللّه جل ثناؤه لهذا السبب أنبياء إلى عباده ، يبشرونهم بها ويدعونهم إليها ، ويرغبونهم فيها ، ويدلونهم على طريقها : يطلبونها : مستعدين قبل الورود إليها .
ولكيما يسهل عليهم مفارقة مألوفات الدنيا من شهواتها ولذاتها ، ويخفف عليهم أيضا شدائد الدنيا ومصائبها ، إذ كانوا يرجون بعدها ما يعمرها : ويمحو ما قبلها من نعيم الدنيا وبؤسها ، ويحذرون فوت نعيمها « 2 » ، فإنه من فاتته فقد خسر خسرانا مبينا .
فهذا هو ديننا واعتقادنا - يا راهب - في معاملتنا مع ربنا وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا ، وسهل علينا الزهد فيها وترك
هامش
( 1 ) كما قال رسول اللّه ( ص ) :
« ان أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ولا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يمتخطون .
قالوا : فما بال الطعام :
قال : جشاء ، [ أو رشح ] كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية :
« التكبير » - كما تلهمون النفس رواه مسلم ، ورواه الإمام أحمد ، وأبو داوود ، وغيرهم .
( 2 ) « يحذرون فوت نعيمها » الضمير فيها راجع إلى الجنة .