لعبادته « 1 » ، وأراد منا لنا التحقق بعبوديته ومعرفته ، أمرنا بتوحيده ، ورغبنا في الحظوة به .
وطلب السعادة بالإقبال عليه ، والتوجه والاخلاص من الشرك الخفي والجلي إليه .
وحذرنا من : الغفلة ، والنسيان ، والاغترار بتساويل النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان .
وندبنا وهيئنا للتعرض لنفحات جوده .
فوجب على كل مؤمن عاقل منا : طالب خلاص نفسه ، راغب في تحصيل مقام القربة في المراتب العلية من حضرات قدسه : أن أن يهتم ويعتزم على التوجه إليه سبحانه وتعالى بقلبه الذي هو أشرف ما فيه ، لأنه الينبوع لما يشتمل عليه نسخة وجوده من صور العالم ومعانيه ، ولأنه - كما أخبر - إنه محل نظر الحق ومنصة تجليه « 2 » ومهبط أمره ، ومتنزل تدليه « 3 » .
لكن ينبغي لك أن تعلم أن القلب ليس عبارة عن المضغة الصنوبرية ، فإنها - وإن سميت قلبا - فإنما تلك التسمية على سبيل المجاز ، وباعتبار تسمية الصفة ، والحامل : باسم الموصوف ، والمحمول ، وإلّا فكل عاقل يعلم أن القلب الذي أخبر الحق على لسان نبيه ( ص ) بقوله : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي الوادع « 4 » ، ليس هو هذا اللحم الصنوبري الشكل ، فإنه أحقر - من حيث صورته - [ من ] أن يكون محل سره جلّ جلاله ، فضلا عن أن يسعه فيكون مطمح نظره الأعلى ومستواه .
هامش
( 1 ) قال اللّه تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِمن سورة الذاريات ؛ الآية : 56 .
( 2 ) ورد في هذا المعنى عدة أحاديث منها قوله ( ص ) : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » رواه مسلم وابن ماجة .
( 3 ) القرب ليس هنا حسيا ، وإنما قرب تشويق وتصفية ، واللّه أعلم .
( 4 ) استدل به الإمام الغزالي في الأحياء في باب عجائب القلب .