حاضرة له ، والحرص والأحقاد ديدنه ، والشر لا يفارقه .
فالناس مطبوعون على الأخلاق الردية ، منقادون للشهوات الدنية .
ولذلك وقع الافتقار إلى الشرائع والسنن ، والسياسات المحمودة ، وعظم الانتفاع بالملوك الحسنى السيرة ، ليردعوا الظالم عن ظلمه ، ويمنعوا الغاصب عن غصبه ، ويعاقبوا الفاجر على فجوره ، فيقمعوا الجائر حتى يعود إلى الاعتدال في جميع أموره .
فالأخلاق المكروهة في طباع الناس .
إلّا أن فيهم من يتظاهر بها ، وينقاد لها ، وهم شرار الناس .
وفيهم من ينتبه بجودة الفكر ، وقوة التمييز لقبحها ، فيأنف منها ، ويتصنع لاجتنابها ، وذلك يكون عن طبع كريم ونفس شريفة .
وفيهم من لا ينتبه لذلك ، إلّا أنه إذا نبه عليه أحسن بقبحه ، فربما حمل نفسه على تركه .
وفيهم من إذا أنتبه لما فيه من النقائص ، أو نبه عليها ، ورام العدول عنها : تعذر عليه ذلك ، ولم يطاوعه طبعه ، وإن كان مريدا للعدول عنها مجتهدا في ذلك .
وهذه الطائفة تحتاج أن ترشد إلى طريق التدرب والتعمل للعادات المحمودة ، حتى يصير إليها على التدريج .
ومن الناس من ينتبه للأخلاق الردية أو ينبه عليها ، فلا يحن إلى تجنبها ، ولا تسمح نفسه بمفارقتها ، بل يؤثر الإصرار عليها ، مع علمه برادءتها وقبحها .
وهذه طائفة ليس إلى تهذيبها طريق ، إلّا بالقهر والتخويف والعقوبة ، إن لم يردعها الترهيب .
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 18
مساهمون: ابن عربي
ص١٨