فإنه كان قد تقدم فتحي على رياضتي - وهو مقام خطر - فأفاء اللّه علي بتحصيل الرياضة على يد هذا الشيخ ، جزاه اللّه عني كل خير .
ومعلوم أن من شرط الطريق ، كما يراه الشيخ قدس اللّه سره ويراه جميع أهل الطرق ، أنه كما لا يوجد عالم بين إلهين ، ولا ولد بين أبوين ، ولا امرأة بين زوجين ، فإنه لا يوجد مريد بين شيخين ، ونجد أن الشيخ لم يكن مريدا لأحد من المشايخ الذين عاصرهم وصاحبهم ، فنراه يقول : لقد اتفق لي في بدايتي ، وما ثمّ إلا بداية ، وأما النهاية فمقولة غير معقولة ، أن دخلت على شيخنا أبي العباس العريبى وأنا في حال قد تكدر علي وقتي ، لما أرى الناس فيه من مخالفة الحق ، فقال لي صاحبي : عليك باللّه ، فخرجت من عنده ودخلت على شيخنا أبي عمران الميرتلي وأنا على تلك الحالة ، فقال لي : عليك بنفسك ، فقلت له : يا سيدنا قد حرت بينكما ، هذا أبو العباس يقول : عليك باللّه ، وأنت تقول : عليك بنفسك ، وأنتما إمامان دالان على الحق ، فممن أسمع ؟ فبكى أبو عمران وقال لي : يا حبيبي الذي دلّك عليه أبو العباس هو الحق ، وإليه الرجوع ، وأنا مع نفسي ، وأحمد مع ربه ، وكل واحد منا دلّك على ما تقتضيه حاله ، وأرجو إن شاء اللّه أن يلحقني بالمقام الذي أشار إليه أبو العباس ، فاسمع منه ، فإنه أولى بي وبك ، فما أحسن إنصاف القوم ، فرجعت إلى أبي العباس ، وذكرت له مقالة أبي عمران ، فقال لي : أحسن في قوله ، هو دلك على الطريق وأنا دللتك على الرفيق ، فاعمل بما قال لك وبما قلته لك ، فتجمع بين الرفيق والطريق .
هذا يوضح لنا أن الشيخ رضي اللّه عنه لم يسلك الطريق المعهودة التي يحث عليها ، والتي أجمع عليها أهل الطريق ، فإنه كان يتردد في الوقت الواحد على أكثر من شيخ ، وكان له معهم صحبة لا التزام المريد بشيخه ، لذلك نراه يقول عن اجتماعه بالإمام الأدنى : نهاني عن الانتماء إلى من لقيت من الشيوخ ، وقال لي : لا تنتم إلا للّه ، فليس لأحد ممن لقيته عليك يد مما أنت فيه ، بل اللّه تولاك بعنايته ، فاذكر فضل من لقيت إن شئت ولا تنتسب إليهم ، وانتسب إلى ربك . كل هذا
الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 7
مساهمون: ابن عربي
ص٧