وصبّ المال فيها وأطبقها ، ثم أخذ يتوكأ عليها شبيها بالعليل ، وقال لصاحب المال : خذ أنت هذه العصا حتى أمدّ يدي وأنال السلسلة ، فأخذ الرجل صاحب المال منه العصا ، وقال : اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل أودعني مالا ، وأني قد رددت ماله إليه . والمال في يد الرجل ولا يعلم ، اللهم إن كنت صادقا في مقالتي فأنلني السلسلة بقدرتك ، فنال السلسلة .
ثم قال : ردّ عليّ عصاي ، فردّ عليه عصاه ، وارتفعت السلسلة من ذلك اليوم . ونزل الوحي على سليمان ، فأخبره بالمكر ، وكان موضعها القبة التي على يسار الصخرة ، بناها عبد الملك بن مروان . وفي ذلك الموضع لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم الحور العين ليلة الإسراء . وجعل سليمان بن داود أيضا تحت الأرض مجلسا وبركة ، وجعل فيها ماء ، وكان على وجه الماء بساط ، فمن كان على الباطل إذا وقع في ذلك الماء غرق ، ومن كان على الحق لم يغرق .
فلما رأى ذو القرنين هذه العجائب أوحى اللّه إليه :
إنك ميّت ، وإن أجلك قد حضر . وكان ذو القرنين قد أوسع أهل الأرض عدلا ، وكان آخر ملوك الأرض من أهل الخير . وقد كان كبر ودقّ عظمه ، ونحل جسمه ، وطعن في السن . فمات رحمه اللّه ببيت المقدس .
وزعم أهل العلم : أنه بدومة الجندل ، رجع إليها من بيت المقدس ، وقبره بها اليوم .
قيل : عاش خمسمائة عام .
ومن باب التقوى في الهوى :
فلما التقينا قالت الحكم بيننا * سوى خصلة هيهات منك مرامها
فقلت معاذ اللّه أطلب خصلة * نموت ويبقى بعد ذاك آثامها
ولعمرو بن أبي ربيعة في هذا الباب :
لعمر أبيها ما صبوت ولا صبت * إليّ وإني عن صبا لحليم
سوى قبلة أستغفر اللّه ذنبها * سأطعم مسكينا بها وأصوم
وللفرزدق من هذا الباب :
شمس إذا بلغ الحديث خيانة * أمسكن عنه غرائر أقمار
وحديثهن كأنها مرفوعة * من دينهنّ إذا جهرن سرار
وله أيضا ويعزى لغيره :
ويوم كإبهام الحبارى قطعته * بنعمة والواشون فيه تحرف
بلا محرم إلا كلام مودّة * علينا رقيبان التقى والتطرف
إذا ما هممنا صدّت النفس دونها * كما صدّ من بعد التهمّم يوسف