تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
الشيخين العلّامتين . وكان سماعنا من أبي حامد سنة ستين ، ومن أبي منصور سنة خمس وسبعين . قال أبو حامد : قال أبو النفاح : سمعت أبا عبيدة بن الجراح يقول : لما استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين والأنصار ، ولحظ بعين الهيبة والوقار . وإن كان لم يزل كذلك بعد هنة كاده الشيطان بها ، فدفع اللّه عز وجل شرّها ، ورحض عرّها ، ويسّر خيرها ، وأزاح ضيرها ، وردّ كيدها ، وفصم ظهر النفاق والفسوق من أهلها . بلغ أبا بكر الصدّيق رضي اللّه عنه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، تلكؤ وشماس ، وتهمهم ونفاس ، وكره أن يتمادى الحال ، وتبدو العداوة ، وتنفرج ذات البين ، ويصير ذلك دربة لجهل مغرور ، أو عاقل ذي دهاء ، أو صاحب سلامة ، ضعيف القلب ، خوار العنان . دعاني فحضرته وعنده عمر بن الخطاب وحده ، وكان يرمل أرضه بالسرجين ، وكان عمر قبسا له ، ظهيرا معه ، يستضيء برأيه ، ويستملي على لسانه . فقال لي : يا أبا عبيدة ، ما أيمن ناصيتك وأبين الخير بين عينيك وعارضتيك ، ولقد كنت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمكان المحوط ، والمحل المغبوط . ولقد قال فيك في يوم مشهود : « أبو عبيدة أمين هذه الأمة » ، وطال ما أعز اللّه بك الإسلام ، وأصلح فساده على يديك . ولم تزل للدين ملجأ ، وللمؤمنين دوحا ، ولأهلك ركنا ، ولإخوانك رداء . قد أردتك لأمر له ما بعده ، خطره مخوف ، وصلاحه معروف . وإن لم يندمل جرحه بمسبرك ، ولم تستجب حيته لرقيتك ، فقد وقع اليأس ، وأعضل البأس ، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ من ذلك وأعلق ، وأعسر منه وأغلق ، واللّه أسأل تمامه بك ، ونظامه على يديك . فتأت له يا أبا عبيدة وتلطف فيه ، وأنصح اللّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذه العصابة ، غير آل جهدا ، ولا قال جدا . واللّه كالئك وناصرك وهاديك ومبصرك ، وبه الحول والتوفيق . امض إلى عليّ واخفض جناحك له ، واغضض من صوتك عنده . واعلم أنه سلالة أبي طالب ، ومكانه ممن قد فقدناه بالأمس صلى اللّه عليه وسلم مكانه ، وقل له : البحر مغرقه ، والبرّ مفرقه ، والجو أكلف ، والليل أغلف ، والسماء جلوا ، والأرض صلعا ، والصعود متعذر ، والهبوط متعسر ، والحق رؤوف عطوف ، والباطل شنوف عنوف ، والضغن رائد البوار ، والتعريض شجار الفتنة ، والقحة ثقوب العداوة ، وهذا الشيطان متكئ على شماله ، متحبّل بيمينه ، نافخ حضنيه لأهله ، ينتظر الشتات والفرقة ، ويدبّ بين الأمة بالشحناء والعداوة ، عنادا للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم ولدينه ، ناكبا يوسوس بالفجور ، ويدلّي بالغرور ، ويمنّي أهل