ألطفك بمن خالفك وأدناك بعهدك سبحانك ما أحلمك على من عصاك وخالف أمرك . ثم قال : سيّدي بحلمك نطقت ، وبفضلك تكلّمت ، وما أنا والكلام إلّا بين يديك بما لا يستأهله قدري ، فيا إله من مضى قبلي ويا إله من يكون بعدي بالصالحين فألحقني ولأعمالهم فوفّقني ، ثم قال : أين الزّهاد والعبّاد ؟ أين الذين شدّوا مطاياهم إلى منازل معروفه وأعمال موصوفه ؟ نزل بهم الزمان فأبلاهم ، وحلّ بهم البلاء فأفناهم ، فهل أنتظر إلا مثل الذي نزل بهم ؟ ثم أقبل على ما كان فيه فقلت : رجل قد عزفت نفسه عن كلام الناس ، فانصرفت وتركته باكيا - رضي اللّه عنه .
معارضة حال ومقام وهي ملاقاته مع جارية مجنونة :
قال ذو النون : بينا أنا أسير في جبل أنطاكية ، فإذا أنا بجارية كأنها مجنونة وعليها جبّة من صوف ، فسلّمت عليها فردّت السلام ثم قالت :
ألست ذا النون المصري ؟ قلت : عافاك اللّه كيف عرفتيني ؟ قالت : فتق الحبيب بيني وبين قلبك فعرفتك باتصال معرفة الحبيب ، ثم رفعت رأسها إلى السماء فقالت : يا من سبى قلوب أوليائه شوقا إليه بمعارف الألباب .
ثم قالت : أسألك عن مسألة . قلت : سليني . قالت : أيّ شيء السّخاء ؟ قلت :
البذل والعطاء قالت : هذا السخاء في الدنيا . فما السخاء في الدين ؟ قلت :
المسارعة إلى طاعة المولى . قالت : فإذا سارعت إلى طاعة المولى تحبّ منه جزاء ؟ قلت : نعم للواحد عشرة . قالت : مرّ يا بطّال هذا في الدين قبيح ، ولكن المسارعة إلى طاعة المولى أن يطّلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا بشيء ، ويحك يا ذا النون ، إنّي أريد أن أقسم عليه في طلب