ذوّقتني طعم الوصال فزدتني * شوقا إليك مخامر الأحشاء
ثم أقبل على نفسه فقال : أمهلك فما ارعويت ، وستر عليك فما استحييت وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت . ثم قال : عزيزي مالي إذا قمت بين يديك ألقيت عليّ النّعاس ، ومنعتني حلاوة مناجاتك ؟ لم قرّة عيني لم ؟ ثم أنشأ يقول :
روّعت قلبي بالفراق فلم أجد * شيئا أمرّ من الفراق مواجعا
حسب الفراق بأن يفرّق بيننا * ولطالما قد كنت منه مروّعا
قال : فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا ، فلمّا أحست بي تجلل بخمار كان عليه ، ثم قال لي : يا ذا النون غضّ بصرك عن النّظر فإنّي حرام ، فعلمت أنها امرأة . فقلت : واللّه لقد شغلني قولك عن كثير مما كنت فيه . فقالت : ولم عافاك اللّه أما علمت أن للّه عبادا لا يشغلهم سواه ولا يميلون إلى ذكر غيره ، وأحبّوا السّكون ، فاستحيت الجوارح من الكلام فقلت : يا أمة اللّه متى تحوي الهموم قلب المحبّ ؟ قالت : إذا كان التّذكار مجاورا وللشوق محاضرا . يا ذا النون أما علمت أنّ الشوق يورث السّقام ، وتجديد التّذكار يورث الحزن ؟ ثم أنشأت تقول :
لم أذق طيب طعم وصلك * حتى زال عنّي محبتي للأنام
قال : فأجبتها شعرا :
نعم المحبّ إذا تزايد وصله * وغلت محبّته بعقب وصال
فقالت : أوجعتني أوجعتني ، أما علمت أنه لا يبلغ إليه إلّا بترك من دونه .