ومن قائم بالحال في بيت مقدس * فلا نفسه تظمأ ولا سرّه ارتوى
ومن واقف للخلق عند مقامه * ومنزله في الغيب منزلة الأسا
ومن ظاهر وسط المكان مبرّز * له حكمة تسمو على كلّ مستمى
ومن شاطح لم يلتفت لحقيقة * قد أنزله دعواه منزلة الهبا « 1 »
ومن نيّرات في القلوب طوالع * تدل على المعنى ومن يتصل يرى
ومن عاشق سرّ الذهاب متيم * قد أنحله الشوق المبرّح والجوى « 2 »
وصاحب أنفاس تراه مسلطا * على نار أشواق بها قلبه اكتوى
ومن كاتم للسرّ يظهر ضدّه * عليه لطلّاب المشاهد بالتقى « 3 »
ومن فاضل والفضل حقّ وجوده * ولكنّ ما يرجوه في راحة الندى
ومن سيّد أمسى أديب زمانه * يقابل من يلقاه من حيث ما جرى
ومن ماهر حاز الرياضة واعتلى * فصار ينادي بالأسنّة واللهى
ومن متحلّ بالصفات التي حدا * بأجسادها عادى المنية للبلى
ومن متحلّ طالب الأنس بالذي * تأزّر بالجسم الترابيّ وارتدى
ومستيقظ بالانزعاج لعلة * أصابته مطروحا على فرش العمى
فقام له سرّ التجلّي بقلبه * فلم يفن في الغير الدنيّ ولا الدنا « 4 »
ومن شاهد للحق بالحقّ قائم * له همته تفني الزوائد والفنا « 5 »
ومن كاشف وهم الأتم حقيقته * ولولا أبو العباس ما انصرف القضا
ومن حائر قد حيّرته لوائح * تقول له قد أفلح اليوم من رقى
ومن شارب حتى القيامة ما ارتوى * ومن ذائق لم يدر ما لذة الطّوى « 6 »
ومن عزمة والمكر فيها مضمن * ومن اصطلام حلّ في مضمر الحشى
هامش
( 1 ) الهباء : الغبار والدخان . والشاطح : هو الذي يقول كلاما عليه رائحة رعونة ودعوى تصدر من أهل المعرفة باضطرار واضطراب .
( 2 ) الشوق : هيجان القلب عند ذكر المحبوب .
( 3 ) المشاهدة : تعني المحاضرة والمداناة ، وقيل هي رؤية الحق ببصر القلب من غير شبهة .
( 4 ) سر التجلي : هو شهود كل شيء في كل شيء برأيهم .
( 5 ) الشاهد : الحاضر ، وكل هو حاضر القلب غلب عليه ذكره حتى كأنه يراه ويبصره وإن كان غائبا عنه فهو شاهده وقال الجنيد : الشاهد الحق في ضميرك وأسرارك .
( 6 ) الطوى : الجوع . الشراب : العشق . والذوق ، يريد : النور العرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل وهو كالشراب ، لكن الشراب لا يستعمل إلا في الراحات ، والذوق يلائم الراحات والمتاعب ، وأول التجليات الذوق ثم الشرب .