وكان قد ملكت قلبي محاسنها * خبرا تحققه يربى على الخبر
ألبستها من سنى الأثواب ثوب تقى * فخرا على جنسها من خرقة الخضر
وهي التأدّب بالآداب أجمعها * مع التخلّق بالآيات والسّور
والعهد ما بيننا أن لا تبوح بها * ولا تعرّفها شخصا من البشر
لكي تكون من الإخلاص نشأتها * فليس يلحقها شيء من الغير
ومن ذلك :
لبست جارية من يدنا * خرقة نالت بها عين الكمال
خرقة دينية علوية * ألحقتها بمقامات الرجال
وكذاك اللّه قد ألبسها * ثوب عزّ وقبول وجمال
وضياء وسناء وسنا * واعتدال وبهاء وجلال
كلّما أبصرتها غيّبني * ما أرى من حسن دلّ ودلال
حفظ اللّه عليها عهدها * وعلينا حفظها طول الليالي
ومن ذلك لبسته نوم عند الحجر في حضرة من الكعبة المعظمة بحال :
ألبست جارية ثوبا من الخفر * في النوم ما بين باب البيت والحجر « 1 »
وقبّلته فقبّلنا مقبّلها * وغبت فيه عن الإحساس بالبشر
واستصرخت في ثنيات الطواف وقد * حسرن عن أوجه من أحسن الصّور
هذا إمام نبيل بين أظهرنا * هذا قتيل الهوى واللثم والنظر
قالت لها قبلية الأمّ ثانية * عساه يحيى كمثل النفخ في الصور
فالنفخ يخرج أرواح الورى وبه * يحيى إذا دعيت للنشر من حفر « 2 »
فعاودت فأزالت حكم غاشيتي * وأدبرت وأنا منها على الأثر
أقبل الأرض إجلالا لوطأتها * حباله وأنا منه على حذر
من أجل تقييده بصورة امرأة * عند التجلّي فقلت النقص من بصري
ونسوة كنجوم في مطالعها * وأنت منهن عين الشمس والقمر
يا حسنها غادة كالشمس طالعة * تسبي العقول بذاك الغنج والحور « 3 »
ومن ذلك نومية في حضرة خيالية ووقع لباسها بعد ذلك في الحس :
سألتنا شرف نلبسها * خرفة القوم على شرط الوفا
هامش
( 1 ) الخفر : الحياء .
( 2 ) الورى : الخلق .
( 3 ) الحور في العين : شدة بياض العين وسوادها ، أو شدة بياض البياض ، وشدة سواد السواد . ويريد بالشمس شمس المعارف . وقوله غادة حسناء يعني مقام المشاهدة .