وقال أيضا :
الكبرياء رداء من سجدت له * كلّ الجباه وسخّر الأقيالا « 1 »
أنت الردآء وعلمكم بمن ارتدى * علم لذا لا يقبل الإشكالا
وصف النفوس جزاؤها وهذا أتى * نصّ الكتاب ففصّلوا الإجمالا
ولتتخذ إن كنت تعقل قولنا * وصف الإله لما يرون مجالا
إن البيان لذي عمى في نفسه * ما زاده إلّا عمى وضلالا
لو يدري ذو السمع السليم مقالتي * ونصيحتي عن حكمها ما زالا
وبدت له كالشمس تشرق بالضحى * ورأى عليه نورها يتلألأ
ما يصدق الكنز الذي يجدونه * العارفون يرون ذاك محالا « 2 »
ختم الإله على قلوب عباده * إن لا يكونوا كبرا ضلالا
وإن أظهروا إضلالهم وتكبروا * فالعالمون يرون ذاك خيالا
فلذاك يظهر ذله في موقف * ويذله ربّ الورى إذلالا
كالذر ينشره الإله بموقف * ليذوق فيه خزيه ونكالا
لما تكبّر بدره في ذاته * لحق الصّغار به فعاد هلالا
لا بل أزال الحقّ عنه ضياءه * محقا فكان المحق فيه وبالا
لو يشهدون كما شهدت مقامه * رفعوا له أصواتهم إهلالا
وأفادهم ما قد رأوه شهادة * وترية في قلبه ونوالا
لا يشهد البدر المنير هلالا * إلا عيون أبصرته كمالا
لما بدا للعين خلف حجابه * كنت الحجاب له فكنت حجالا « 3 »
ورأى الذي عاينته من حكمة * في ستره عمن يريد فشالا
لنراه حتى لا نشك بأنه * هو عينه فأتى الحجاب زوالا
فعلمت أنّ الأمر لا ينفك عن * ستر عليه وكان ذاك ظلالا
العرش ظلّ اللّه في ملكوته * وبذا أتت أرساله أرسالا « 4 »
تاه الذين تحيّروا في ذاته * عجبا بذاك وجرّروا الأذيالا
وتقدّسوا لما تقدس عندهم * وأنالهم تقديسهم إجلالا
ما عظم الأقوام غير نفوسهم * في عينه سبحانه وتعالى
لما علمت بأنني متحيّر * فينا وفيه ما رددت مقالا
هامش
( 1 ) الأقيال : جمع القيل : الملك .
( 2 ) العارفون : قال ابن عربي : العارف من أشهده الرب عليه فظهرت الأحوال عن نفسه ، والمعرفة حاله .
( 3 ) الحجاب : حاجز يحول بين الشيء المطلوب المقصود وبين طالبه وقاصده .
( 4 ) العرش : أعظم مخلوقات اللّه تعالى ، وأكبر الأجرام السماوية .