لما اعتنى الرحمن بالمصطفى * في كربه جادت له بالنفس
إذا تلوناها لخوف بنا * بحكم إيمان تكن كالعس « 1 »
ما مثلها من آية آمنت * نفوسنا إلا التي في عبس
قد جاءت الصّاخّة فاسمع لها * فإنها عين غنى المبتئس « 2 »
قد أظهرت أحكامها عندنا * في دارنا الدنيا فلم تبتئس
وليس كلّ الناس يدري بها * إلا السليم العين غير الرئس
وقال أيضا :
إذا ما ذكرت اللّه في السرّ والجهر * ليذكرني ربي بما كان من ذكري
لأنا نقلناه حديثا معنعنا * وما زال ذاك النقل عنه على ذكري
فمن كونه كوني ومن عينه عيني * ومن سرّه سرّي ومن جهره جهري « 3 »
ولست بغير لا ولا أنا عينه * فمن أنا عرفني فإني لا أدري
فلو كنته عينا لما كنت جاهلا * ولو لم أكنه لم يكن أمره أمري
فميزه عني الذي فيه من غنى * وميزني عنه الذي بي من الفقر
وقال أيضا :
قد كنت عبدا والهوى حاكمي * فاليوم أولى أن أسمى به
لأنني عبد لربّ يرى * وما له في الخلق من مشبه
أصبحت منه فلكا حاويا * يدور بالحكم على قطبه « 4 »
لأنه قال لنا مخبرا * بأنه في العبد في قلبه
فمن يرد يشهد خلاقه * شهوده المربوب من ربه « 5 »
فليقلب العين الذي قد بدا * فإنه المشهود في قلبه « 6 »
سبحانه عزّ وعزت به * أنفسنا والكلّ منه به
هو الذي يعبد في عرشه * كمثل ما يعبد في تربه
يريد قوله « 7 » تعالى :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
، وقوله « 8 » تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
.
هامش
( 1 ) العس : الذكر .
( 2 ) الصاخّة : القيامة .
( 3 ) الكون : عبارة عن وجود العالم من حيث هو عالم .
( 4 ) قطب : عبارة عن رجل واحد هو موضع نظر اللّه تعالى من العالم في كل زمان .
( 5 ) الشهود : أن يرى حظوظ نفسه ، وتقابله الغيبة .
( 6 ) المشهود : هو الكون .
( 7 ) سورة الأنعام ، آية : 3 .
( 8 ) سورة الزخرف ، آية : 84 .