فقط ! وما أجانبى بما وراء ذلك ، لتفرّسه « 1 » فىّ عدم وصولى إلى ذلك المقام . . فلما كان بعد ذلك بزمان ، وصلت إلى هذا المقام ، وعجمت « 2 » أعواد الصيحات الطيرية ؛ فعلمت أن صيحات الفقير كانت صحيحة ، فعضضت بنان الندمان ، وسبّحت شبه المتعجّب الحيران . وعند ذلك ، أعدّ عند الناس من المجانين ، إلّا عند الخبير بذلك « 3 » .
وهذه حالة سنيّة « 4 » ، إلّا أن فوقها أعلى منها ؛ وذلك ملك الحالة ، فإن ملك الرجل للحالة ، أقوى من ملك الحالة للرجل « 5 » . ووجهه « 6 » : أن الرجل في الأول يفنى من اختياره في اختيار الحق ، ثم يترقّى فيتّصف باختيار الحق ؛ وذلك أجلّ من الفناء في اختيار الحق . وذلك إنما يتم إذا ابتلى وامتحن في هواجم العظمة ، وسرح في مسارح الجلال ، وسابق في ميادين الكبرياء ، وطار في هواء الهويّة حتى كسى كسوة الاتصاف ،
هامش
( 1 ) الفراسة : القدرة على استشفاف الباطن . وفي الحديث الشريف « اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور اللّه » راجع بخصوص ذلك : كتاب الفراسة لفخر الدين الرازي .
( 2 ) يقصد : فهمت كلامها الأعجمى . . ويقال « عجمي » لكل ما ليس عربيّا ، والحيوانات يقال لها « عجماوات » لأنها لا تفصح ؛ فالإعجام نقيض الإفصاح .
( 3 ) يشير الشيخ هنا إلى أنه صار محلّا لنقد غير العارفين ، مثلما كان الفقير فيما سبق محلّا لنقده . والجنون هنا مرحلة في الطريق يستند فيها الصوفية لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يقال إنه مجنون ! وقد كان الإمام الجيلاني في بعض مراحل تصوفه المبكرة ، يقال له : عبد القادر المجنون ( راجع كتابنا : عبد القادر الجيلاني باز اللّه الأشهب ، ص 53 ) .
( 4 ) ب ، ج : شين !
( 5 ) يقول الصوفية : المبتدئ تملكه الأحوال ، والواصل يملك الأحوال .
( 6 ) يقصد ؛ وبيانه .