قال ابن عربي : جربت المخبرين عن اللّه إذا ضربوا الأمثال لأمر ما ، فإنه لا بد من وقوع ذلك المضروب به المثل .
كان أبو يزيد البسطامي يشير عن نفسه أنه قطب الوقت ، فقيل له يوما عن رجل يقال فيه أنه قطب الوقت فقال : الولاة كثيرون ، وأمير المؤمنين واحد ، لو أن رجلا شق العصا وقام ثائرا في هذا الموضع - وأشار إلى قلعة هناك - وادّعى أنه خليفة قتل ، ولم يتم له ذلك ، وبقي أمير المؤمنين .
فما مرت إلا أيام حتى ثار في تلك القلعة ثائر ادّعى الخلافة فقتل وما تم له ذلك ، فوقع ما ضرب به أبو يزيد المثل عن نفسه .
وكان إذا رآه الناس يتمسحون بمرفقته تبركا ، فلاموه على ذلك فقال : هم لا يتبركون بي ، إنما يتبركون بخلعة ربي التي خلعها علي .
وكان المسيح عليه السّلام قتل نملة خطأ ، فنفخ فيها فأحياها خوفا من المطالبة .
وقال : أوقفني اللّه بين يديه وقال : يا أبا يزيد بأي شيء جئتني ؟ قلت : بالزهد في الدنيا ، قال : إنما مقدار الدنيا عندي جناح بعوضة ، ففيم زهدت ؟ ! قلت : إلهي ، أستغفرك من ذلك ، جئت بالتوكل إليك ، فقال : عند ذلك قبلناك .
وقال : وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما ، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما ، فوقفت مع المصلين والصائمين فلم أر لي معهم قدما ، فقلت : يا رب كيف الطريق إليك ؟ فقال لي : اترك نفسك وتعال .
قال الخواص : فاختصر له الطريق بألطف كلمة ، فإنه إذا ترك حظ نفسه من الدارين قام الحق معه .
ومن فوائده التي لا تكاد تحصى : سر في ميدان التوحيد حتى تصل إلى دار التغريد ، وطر في دار التفريد حتى تلحق وادي الديمومية .
وقال : ليس الرجل من يسير مع القافلة ، إنما الرجل من ينام إلى الصباح فيصبح أمامها في المنزل .
وقال : علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد ، ومبيته حيث أدرك ، وشغله بربه .
وجاء رجل بابه فدقه ، فقال : من تطلب ؟ قال : ليس في البيت غير اللّه .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 52
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص٥٢