وقال أيضا : « الهمة نسيان الذكر ، والغيرة في الذكر » يعني به أن الهمة ما يكون في الجمعية أي في عين الجمع وذاك عند الفناء عندهم .
قوله : « والغيرة في الذكر » يعني أن الغيرة إنما تكون في الذكر والتفرقة دون الجمعية ، وعين الجمع لأن غيرة الغيور إنما تكون عند فهم المغار عليه ، وذلك لا يكون في عالم الفناء ، وعين الجمع لأنه ثمة لا يفهم شيئا سوى اللّه تعالى ، ويحتمل أن الهمة نسيان الذكر يعني التوحيد نسيان الذكر ، كما مر ، والغيرة في الذكر أي المغايرة ، والأثنينية في التذكر لغير اللّه تعالى .
وقال أيضا : « الهمة عيان الربوبية » يعني الهمة ما يعاين الربوبية ، وهي قلب السر ، وعينه ، ولسانه على ما مر وهو الذي نسميه خفيّا .
وقال أيضا : « الهمة ترك الدنيا ، والآخرة ، والنفس معهما » يعني الهمة العلية هي التي لا تلتفت إلى الدنيا والآخرة ولا إلى النفس ويحتمل قوله : « والنفس معهما » أي : النفس يلتفت إليهما يشير بهذه الكلمات إلى أن الهمة لها هذه الآثار ، والخصال ومقصودة من جميع ذلك أن يبين علامات الهمة ليعرف العارف بهذه العلامات ماهية الهمة .
وقال أيضا : « الهمة ريح يسلط اللّه على قلب العبد » يعني أن الهمة روح ونور مسلط على قلب العبد لا يمكنه من الميل إلى الدنيا والآخرة بل يجرده ويلجئه على التوجه إلى الحق تعالى .
وقال أيضا : « الهمة » أي النية ، وهذا صحيح لأن النية ، والقصد في الإرادة والهمة أيضا ؛ لكنها إرادة السر والخفي ، لا إرادة القلب ، فكان تسميتها نية صحيحة لأنها نية السر ، والخفي إلى اللّه تعالى .
وقال أيضا « الهمة سكون القلب مع اللّه والفرار عما سواه » يعني ثمة الهمة وعلامتها سكون القلب مع اللّه تعالى والفرار عن غيره تعالى ، فجعل الأثر والثمر ، تغير المثمر المؤثر ، تفهم إن شاء اللّه وحده .
تمت هذه الكلمات المجموعة في كتاب الأنفاس بتفاسير فسرتها على وفاق مذاهبهم ولي في بعضها خلاف لكني حلمت عنها ، وكظمتها مع ما بينت مذاهبي في كتب أخر ، واللّه المستعان وعليه والتكلان .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 285
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص٢٨٥