وسئل أبو يزيد هل رأيت ربك ؟ قال : لو حجبت عنه لمت ، يعني : بلى رأيت وأره دائما ولو حجبت عنه لمت من فرط المحبة ولوعة المودة .
وقيل لعلى ابن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - : تعبد من ترى أو تعبد من لا ترى ؟ قال : بل أعبد من أرى لا رؤية عيان ؛ ولكن رؤية القلب بمشاهدة الإيمان .
قوله « لا رؤية عيان » ، أي لا رؤية عين الوجه .
وقوله « بمشاهدة الإيمان » يعني بمشاهدة استفادة من الإيمان متصور الرؤية ، وإمكان المشاهدة ، وجواز المعاينة للرب تعالى في القلب السليم ، والسر البصير ، فافهم إن شاء اللّه وحده .
وسئل الجنيد قدس اللّه سره : هل عاينت أو شاهدت ؟ قال : « لو عاينت لزندقت ، ولو شاهدت لحيرت ، ولكن حيرة في تيه وتيه في حيرة » .
واعلم أن الزندقة عندهم كناية عن ترك الصلاة في أوقاتها سواء ترك اختيارا ، أو اضطرارا بسبب النوم ، والإغماء ، والجنون ، وأمثالها ، ثم إنه يريد بقوله « لو عاينت لزندقت » أي لصرت مسلوب العقل مجنونا ، أو مصعوقا لغلبة المعاينة بالعظمة وتركت الصلاة اضطرارا وهو زندقة في اصطلاحهم .
قوله « ولو شاهدت لحيرت » يعني ما زندقت ولكن صرت متحيرا كما يتحير العامل عند رؤيته أمرا عجيبا عظيما وهذه الكلمة تدل على أن المعاينة عنده أعلى وأبلغ من المشاهدة حيث كان يطيق المشاهدة فوق ما يطيق المعاينة .
قوله « حيرة في تيه ، وتيه في حيرة » وهذه إشارة إلى مشاهدة ضعيفة كانت له أو مكاشفة بليغة لم يدخل بعد في حدّ المشاهدة ، حيث أفاد له حيرة في تيه ، وتيها في حيرة يعني حيرة مختلطة في تيه ، والتيه أدنى من الحيرة ؛ لأن الحيرة معجزة
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 200
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص٢٠٠