يرونه تعالى فصح تخصيص أبى يزيد لبعض العباد إن أراد التخصص .
وقال الجنيد - رحمة اللّه عليه : « من أبعد فرؤيته غدا رؤية الوجه ؛ لأنه لا حجاب بين العبد وبين السيد ، واليوم رؤية الستر لأن الحجب قائمة ، ورأى محمد صلى اللّه عليه وسلم بفؤاده لأن الحجاب كان هناك حجابين » يعني : من أبعد رؤية اللّه تعالى فإني لا أبعده ، وأقول رؤية اللّه تعالى في دار الآخرة على مراتب ودرجات أخفاها رؤية الوجه ، ثم علل ذلك وقال : « لأنه لا حجاب بين العباد وبين السيد » وهذا القول منه صحيح بليغ ، وأما نحن هكذا نقول إن أدنى الرؤية رؤية الوجه وأن من العباد من يرى اللّه تعالى بكل جزء من أجزائه وأبعاضه إذ هو أقرب إليه من حبل الوريد ولا حجاب يومئذ لمن لا حجاب له .
قوله : « اليوم رؤية السر لأن الحجب قائمة ورأى محمد صلى اللّه عليه وسلم بفؤاده » يعني :
سائر الأولياء لرؤيته تعالى بالسر وهو النور الذي في القلب ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم رآه بفؤاده وقلبه ، ورؤية الفؤاد قريب من رؤية الوجه ، فلا يكون إلا للأقوياء بخلاف رؤية السر ، فإن السر ألطف وأنور من القلب .
قوله « لأن الحجب كان هناك حجابين » يعني حجاب العظمة ، وحجاب الكبرياء ، وفيه يكون الحجب أكثر من ذلك ، ولهذا لا يرونه بالفؤاد كما يرونه برؤية السر فافهم .
وقال ذو النون رحمة اللّه عليه : « رأي الحق حيث فتح بصر السر إلى اللّه تعالى ، إنما رآه من يراه حيث فتح اللّه تعالى بصر سره - جل وعلا - » .
وقال أيضا : « إن اللّه عز وجل ليس لمحجوب عن الخلق ، ولكن رأى من نظر » وفي نسخة « ليس لمحجوب عن القلب » يعني رأى من نظر من أهل الرؤية بعين القلب في الدنيا وهم الأنبياء ، والأولياء وبعيني الوجه والقلب والسر أهل الجنة .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 199
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٩٩