وقال أيضا : « رأيت غدا بعين الوجه مع التحير الذي رأيت اليوم بعين السر مع الحيرة » يعني بهذه المكاشفات إثبات رؤية اللّه تعالى في دار الآخرة بعين الوجه ردا على من أنكرها .
قوله « مع التحير » إشارة منه إلى تحيره في صفاته العظام نحو العظمة والكبرياء وغيرهما فإن رؤية ذاك يورث الدهشة والتحير والانقطاع من الإحاطة بها لكل أحد لا محالة تأله فيها الأنبياء فكيف الأولياء !
قوله « الذي رأيت اليوم بعين السر مع الحيرة » إشارة منه إلى أن للسر عينا فإنه رأى اللّه تعالى بذلك العين وتحير عند رؤيته .
قال النوري رحمه اللّه : « حرم اللّه تعالى الرؤية لعين الرؤية » يعني لعين الوجه في دار الدنيا ، قال أبو علي الروذباري « لو زال عنا رؤيته ما عبدناه » يعني لو لم نره بعين القلب وهذا صحيح لأن معرفة اللّه تعالى لهؤلاء القوم إنما تكون بتلك
هامش
وأما الذي تعطيه المعرفة الذوقية فهو تعالى ظاهر من حيث ما هو باطن ، وباطن من حيث ما هو ظاهر ، وأوّل من عيّن ما هو آخر ، وآخر من عيّن ما هو أول ، وإزار من نفس ما هو رداء ، ورداء من نفس ما هو إزار ، ولا يتّصف بنسبتين مختلفتين أبدا كما يقرره ويعقله العقل ، من حيث ما هو ذو فكر .
فافهم تعلم أنه لا يكلف الإنسان بمعرفة أخصّ وصف للّه تعالى ؛ لأنه ليس لذلك الوصف الأخص في المبتدعات والمخلوقات مثال ، وكل ما لا مثال له فلا علم للإنسان به ولا اسم له عنده ولا علامة .
ومن هنا قال من قال : ( لا يعرف اللّه إلا اللّه ) ، أعني أخصّ وصفه وكنه معرفته ، كما سيأتي بسط ذلك في الميزان إن شاء اللّه تعالى .
وعلم أيضا أن مشاركتنا للحق في مطلق الصفات لا تشبيه فيه ؛ لأن شرط التشبيه إثبات المشاركة في الوصف الأخصّ ، وهذا لا يصحّ .
كما أن من قال : ( إن السواد عرض موجود ، وهو لون ، والبياض عرض موجود وهو لون ) لا يكون مشبّها السواد بالبياض ، فتأمّل ذلك ؛ فإنه نفيس . انظر : الميزان الذرية ( تحت قيد الطبع - دارة الكرز ) .