بشدائد الدنيا ، ومشاق الطريق فذلك الفرح والطمأنينة ثمرة اليقين المتفرع من التوكل عليه فهو النفس بالربوبية .
قوله : « ونفس بالربّ » يعني فناء النفس ، والعقل ، والفرح ، والسرور ، والتوكل ، وكل شيء من صفات العبد عند ذلك يكون النفس بالرب وحده لفوات الكل سواه وهذا النفس لا يكون له ولا عليه كقوله رضي اللّه عنه : « سبحانى » « 1 » ، وقول الآخر : « أنا الحق » « 2 » .
هامش
( 1 ) وتمام العبارة : « سبحاني سبحاني ما أعظم شاني » .
قال الشيخ أبو النصر السراج رحمه اللّه : وقد قصدت بسطام فسألت جماعة من أهل بيت أبي يزيد عن هذه الحكاية فأنكروا ذلك ، وعلى تقدير صحة ذلك ، فنقول : قوله سبحاني سبحاني على معنى الحكاية عن اللّه عزّ وجل أنه يقول : سبحاني سبحاني لأنا لو سمعنا رجل يقول :
لا إله إلا أنا فاعبدني ، لا يختلج في قلوبنا شيء غير أنا نعلم أنه هو ذا يقرأ القرآن ، أو هو يصف اللّه بما وصف به نفسه ، وكذلك لو سمعنا دائما أبا يزيد وغيره وهو يقول : سبحاني سبحاني ، لم نشك أنه يسبح اللّه ويصفه بما وصف به نفسه .
وكذا قال : الشيخ شهاب الدين السهروردي في العوارف : وما يحكى عن أبي يزيد قوله : سبحاني حاشا للّه أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن اللّه تعالى .
قال : وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلاج قوله أنا الحق .
قيل لأبي القاسم الجنيد قدس اللّه روحه إن أبا يزيد يسرف في الكلام ، وقال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شأني » . فقال الجنيد :
إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه لذهوله في الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق تعالى فنعته ، فنطق به ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ولم يكن من شهوده إياه فيه ، وقيل له :
من أنت ؟ . قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا .
( 2 ) قلت : يشير المصنف بقوله الآخر ، الشيخ الحلاج ، وقد اختلف القوم فيه كالاختلاف في المسيح عليه السّلام والتمس حامد بن العباس الوزير من الخليفة المقتدر تسليمه إليه ، فكان يخرجه في مجلسه ويستنطقه ، فلا يظهر منه ما يخالف الشريعة ، وحامد مجد في أمر ليقتله حسدا وبغيا وعدوانا لأولياء اللّه تعالى ، ثم إنه -