باب صفة الهرب
اعلم أن الهرب في اللغة هو الفرار عن المكروه ، وفي الطريق هو الفتور أي : الضعف عن السير والترقي .
وفي الحقيقة هو الالتفات إلى غير الحق ، وأما التوفيق على غير الحق انقطاع عندهم .
ذكر في الباب حكاية قال : « كان ذو النون يحدث يوما في علم التجريد ، والناس يبكون ورجل يضحك ، فقال ذو النون : أسكت ضحكك أي : اسكت عن ضحكك ، فقال : صم حتى أسكت ، فأراد ذو النون أن يأخذه ، فطار إلى السماء ، فقال ذو النون : ما كان فرحه إلّا من حزن باطنه ، وما بكاؤكم إلّا من أنفسكم ، قالوا : وكان الطائر إبراهيم الخواص » .
قوله : « صم حتى أسكت » يعني : اصمت أنت حتى أسكت أنا ، فإن ضحكي عن كلامك ظاهر ، وبكائي عنه باطن أبكى وأضحك فرحا وحزنا بما أسمع ، ولما أسمع .
وإنما أورد هذه الحكاية بهذه الإشارة إلى أن طيرانه كان هربا وتنفسا إلى غير حق ، من حيث أن فيه دعوى الكرامة معنى بمحضر جمع ، وهذا التفات إلى غير الحق ، وعمل بطيب قلبه ، وإرادة نفسه ، ولأنه كان ضحكه تنفسا من حزن باطنه تفهم إن شاء اللّه وحده .
وقال ذو النون : سموا الأبرار ، لأنهم عرفوا اللّه ، وعرفوا أحديته ، وعرفوا المقام ببابه .
قوله : « عرفوا المقام ببابه » يعني عرفوا غوامض الهرب ، واحترزوا عنها