شرفه غافلون ، وبلطائفه جاهلون ، وعن عظيم خطره ساهون ، وعن غوامض معانيه لاهون ، فلا يدركه إلّا أرباب القلوب الموفقون .
وهذا العلم : أساس ، بنيت عليه سائر العلوم ؛ به ينال خير الدارين ، وعز المنزلين .
وبه يعرف العبد عيوب نفسه ، ومنن ربه ، وجلال ربوبيته ، وكمال قدرته .
به يطير سر العبد بجناح المعرفة ، في سرادقات لطائف القدرة ، ويجول حول منتهى العزة ، ويرتع في روضات القدس ، فلا تتم العلوم كلها دون امتزاج شيء منه بها ، ولا تفسد الأعمال إلا بفقده ، ولم تسكن إليه إلّا قلوب نظر اللّه إليها : بالرأفة والرحمة ، وأمطر عليها أمطار الفهم والبلاغة ، وطيبها برياحين اليقين والفطنة ، وجعلها موضع العقل والفراسة ، وطهّرها من أدناس الجهالة والغفلة ، ونوّرها بمصابيح العلم والحكمة ، قال اللّه تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
[ المجادلة : 11 ] .
وكل عارف يخشى اللّه تعالى ويتقيه ، على مقدار علمه باللّه عزّ وجل ، لقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] .
بنوره يعرف وساوس الشيطان ، الدافعة إلى المعاصي والزلّات ، ويحذر به آفات الإرادات .
قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزّمر :
22 ] .
وقال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النّور : 40 ] .
وفي الخبر : إن من العلم كهيئة المكنون المخزون ، لا يعرفها إلا أهل العلم باللّه ، ولا ينكرها إلا أهل الغرّة ( الغفلة ) .
وجاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : « العلم باللّه » .
أفضل العباد :
وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال : « يا رب ! أي العباد أكثر حسنة ، وأرفع درجة عندك ؟ قال : أعلمهم بي » .
وقال الإمام الجليل سيدنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وكرّم اللّه وجهه :
« أعلم الناس باللّه ، أشدهم تعظيما لحرمة : لا إله إلّا اللّه » .