وعزتي وجلالي ، وعظمتي وارتفاعي فوق خلقي ، لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني ، فأعلم ذلك من قلبه ، إلّا قطعت عنه الأسباب ، ثم لا أبالي في أي واد أهلكته ، وأملأ قلبه شغلا ، وحرصا ، وأملا ، لا يبلغه أبدا ! .
وفي الخبر : من اعتصم باللّه واستعان به ، أحوج اللّه إليه الناس ، وأنطقه بالحكمة ، وجعله من ملوك الدارين .
ومن اعتصم بمخلوق دونه ، ووكل إليه قلبه ، عذّبه اللّه ، وقطع عنه أسباب الدنيا والآخرة ! .
وروي أيضا : تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، وأقبلوا إلى اللّه بقلوبكم ، واعتصموا به في جميع أموركم ، لأن العبد إذا أقبل إلى اللّه بقلبه ، أقبل اللّه بقلوب العباد إليه ، ومن يعتصم باللّه كفاه اللّه كل مؤنة .
قيل ليحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : متى يكون الرجل معتصما باللّه ؟ .
قال : إذا قطع قلبه عن كل علاقة ، موجودة ومفقودة ، ورضي باللّه وكيلا .
وروي أن اللّه تعالى ، قال لداود عليه الصلاة والسلام : ما يتعبد المتعبدون ولا يتقرب المتقربون بشيء ، أبلغ عندي من الاعتصام والتسليم .
وقال عامر بن قيس - رحمه اللّه تعالى - لأحد العارفين : أدع اللّه لي ، قال : لقد استعنت بمن هو أعجز منك ! أطع اللّه تعالى ، واعتصم به ، يعطك أعظم ما يعطي السائلين .
وقال : فيما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام : إن أردت أن تكون قائدا لأهل الدنيا ، وسيدا في المنظر الأعلى ، فكن مستسلما لأمري ، راضيا بحكمي .
وقال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى : إني لأستحيي من اللّه أن أقول : إني معتصم باللّه ، لأن من اعتصم باللّه لا يخاف من دونه ، ولا يرجو غيره ، ويقطع قلبه عن علائقه في الدارين .
وقيل في معنى قوله :
إِنَّا لِلَّهِ
[ البقرة : 156 ] أي : نحن عبيد اللّه وإماؤه ، نتقلب في مشيئته وقضائه ، ونواصي العباد بيده
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] بالرضا عنه ، والتسليم له ، والاعتصام به ، والتفويض إليه .
وروي أن اللّه تعالى ، قال لموسى عليه الصلاة والسلام :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( 24 ) [ طه : 24 ] .
فقال : يا رب ! أهلي وغنمي .