وحكي أن رجلا من الصالحين ، وقع في بئر في البادية - وكان ضريرا - فمرت على رأس البئر قافلة ، فناداهم الرجل من قعر البئر ، فهتف هاتف : أتستغيث بغيري ، وأنا غياث المستغيثين ! .
قال : فسكت الرجل ، فإذا أهل القافلة سدوا رأس البئر ، وأرادوا أن يخفوه ، كي لا يقع فيها أحد ، فصار الرجل آيسا من نفسه ، وانقطع رجاؤه عن الخلق ، ثم قال :
إلهي ! الآن لم يبق لي غيرك ، وأنا فقير إليك ، فسلّط اللّه أسدا حتى فتح رأس البئر ، وهبط فيه ، فأخذ الرجل بذنب الأسد ، فرفعه إلى رأس البئر ، فنودي من فوقه :
لا تقطع قلبك عمن ينجيك ، بتلف من تلف ! .
واعلم أن اللّه تعالى وضع تحت قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] : كمال وفاء صدق العبودية ، ثم علم كمال ضعف العبد وعجزه ، فأعطاه كلمة أخرى ، وجمع له خير الدارين ، وهو قوله تعالى :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] .
فكل حق للّه تعالى على العبد تحت قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] .
وكل فقر للعبد إلى اللّه تعالى تحت قوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] .
وقيل : إن أعرابيا وقف بالموقف فقال :
إلهي ! إليك خرجت ، وأنت أخرجتني ، ولك وقفت ، وأنت أوقفتني ، وقد عصيت أمرك ، وأنت خذلتني ، ومع ذلك لا عذر لي ولا حجّة ، فإن رحمتني وعفوت عني ، فأنت أهل الإحسان ، ولا فقير لك أفقر مني ، يا سيدي ويا مولاي ! .
واعلم أن اللّه تعالى كلّف العباد صدق الافتقار ، كي لا يتجاوزوا عن حد العبودية ، إلى حد الربوبية ، ومن الإرادات العقلية ، إلى الإرادات الهوائية ، ومن الصفاوة الروحية ، إلى الكدورة النفسية ، ومن الهمم العلوية ، إلى الهمم السفلية .
قال اللّه تعالى لنبيه الأعظم عليه الصلاة والسلام :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
[ آل عمران : 128 ] .
وقال سبحانه :
إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
[ آل عمران : 154 ] وقال :
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
[ الرّعد : 31 ] وقال :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] .
نعم ، صلاح العبد بالافتقار ، نعم ، الاستعانة بالمستعان ، نعم ، سبب الوصول إلى طريق الهداية ، واللحوق بأهل الولاية : الافتقار .