تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
بيده ، يقلبهم كيف يشاء ، وأن سعادتهم وشقاوتهم في ماضي حكمته ، لا رادّ لقضائه ، ولا معقب لحكمه . فمتى تحقق ذلك : اعتصم باللّه ، واستسلم له ، وفوّض الكلية إليه ، وقام بقدم الاضطرار بين يديه ، وبقي بلا حول ولا قوة ، ولا اختيار ولا تعليق ، ولا تدبير ولا سؤال . فإن راحة الدارين وسرورهما في الاعتصام باللّه . وهمومهما في الاعتصام بغير اللّه ، ورؤية الحول والقوة بالنفس ! ألا ترى قول اللّه تعالى ، لنبيه عليه الصلاة والسلام :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ الأعراف : 188 ] . ومعاملة اللّه تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام في التيه ، مكافأة لقوله :
لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
[ المائدة : 25 ] . وقيل في معنى قوله تعالى :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] أي : اخلع عن قلبك أهلك وولدك ، وكل ما سوى اللّه . ثم قال تعالى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ
[ طه : 17 ، 18 ] . أضافها إلى نفسه ، قال : ما تصنع بها ؟ قال :
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
[ طه : 18 ] فقال له :
أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
( 20 ) [ طه : 19 ، 20 ] . قال اللّه تعالى : يا موسى ! هذه التي قلت : أتوكأ عليها ، صارت عدوة لك ! لتعليق قلبك بغيري . فرجع موسى بقلبه إلى اللّه تعالى ، فلما علم اللّه ذلك منه :
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ
[ طه : 21 ] . وقال لنبينا عليه الصلاة والسلام :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التّوبة : 51 ] . يقول اللّه تعالى : ما من عبد نزلت به بلية ، فاعتصم بمخلوق دوني ، إلّا قطعت أسباب السماء من يديه ، ووكلته إلى نفسه ! . وما من عبد نزلت به بلية ، فاعتصم بي دون خلقي ، إلّا أعطيته قبل أن يسألني ، واستجبت له قبل أن يدعوني . وبلغنا أن اللّه تعالى ، أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام : وعزتي وجلالي ، وعظمتي وارتفاعي فوق خلقي ، لا يعتصم عبد من عبيدي بي دون خلقي ، فأعلم ذلك من قلبه ، فيكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ، إلا جعلت له من ذلك مخرجا .
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 132 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن علي الرفاعي الكبير