متى يكون العبد غنيا محتاجا ، وهو في غناه وحاجته محمود ؟ .
قال : إذا كان غناه باللّه عن خلقه ، وحاجته إلى ربه .
قال الشيخ أبو بكر الواسطي رحمه اللّه تعالى : إن العبد لا يعرف اللّه حق معرفته ، حتى لا يعرف الفاقة الكبرى ، قيل : وما الفاقة الكبرى ؟ قال : أن يعلم أنه لم يهتد إلى ربه إلّا به ، ولا ينجو من سخطه إلا به .
ويقال : الافتقار لواء أهل الولاية .
ويقال : الافتقار طرح النفس بين يدي الربّ ، كالصبي الرضيع بين يدي الأم .
ويقال : الافتقار فراغة في رعاية ، ورعاية في ولاية ، وولاية في عناية ، وعناية في هداية .
فمن لا فراغة له ، لا رعاية له ، ومن لا رعاية له ، لا ولاية له ، ومن لا ولاية له ، لا عناية له ، ومن لا عناية له ، لا هداية له .
* أي بني ! اعلم أن الخلق بأسرهم فقراء ، محتاجون إلى اللّه تعالى ، أسراء تحت مشيئته ، ضعفاء تحت علمه وقدرته ، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم : نفعا ولا ضرا ، ولا ذلّا ولا عزا ، ولا موتا ولا حياة .
منصوبون بين سهام النعمة والرخاء ، موقوفون بين القطيعة والشقاء ، مستورة عنهم خواتيمهم ، لهم الخوف والرجاء ، والفقر والدعاء ، والتضرع والبكاء .
فما أفقر من هذه صفته ؟ وماأضعف من هذه حالته ؟ ! .
واعلم أن الافتقار أجلّ مراتب المحبين ، وأرفع منازل المنيبين ، وأزلف حالات المريدين ، وأعظم آلات الأوّابين ، وأجلّ مقامات التائبين ، وأعلى وسائل المقربين .
وهو أصل العبودية ، وصدر الإخلاص ، ورأس التقوى ، ومخّ الصدق ، وأساس الهدى .
فمن أراد أن يدخل في عصبة أهل الافتقار ، فينبغي أن لا يهتم بمصلحة نفسه وعياله ، وأن يتملق بين يدي اللّه تعالى ، وأن يكون آيسا مما سوى اللّه ، مع الافتقار إلى اللّه .
كرجل يكون في بئر مظلم ، ورأس البئر مسدود ، وأثره مستور ، وليس له في البئر مؤنس ، ولا للخلق على رأس البئر ممر ! .
فهل يكون رجاؤه ، وافتقاره إلى أحد دون مولاه ؟ ! .
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 129
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٢٩