وكونها آخذة بالعبد إلى الافتقار إلى اللّه تعالى ، والانقهار تحت عظمة فردانيته ، فلذلك صارت حصنا للعبد ، بإذن اللّه تعالى .
أي بني ! اعلم أن الغنى والفقر صفتان : صفة للّه ، وصفة للعبد ، فصفة الفقر للعبد ، وهو صفة مدح ، كما أن صفة الغنى للّه ، وهو صفة مدح .
والفقر بالحقيقة : صفة العبد ، إذ لا يشوبه غنى .
والغنى بالحقيقة : صفة الربّ ، إذ لا يشوبه فقر .
وإنّ أشرف صفات العبد : افتقاره إلى اللّه تعالى في كل شيء كما أن أشرف صفات الرب : استغناؤه عن العبد في كل شيء .
قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ محمّد : 38 ] .
وقال سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 )
[ فاطر : 15 ] .
واعلم أن الافتقار إلى اللّه مقسوم : على النفس ، والروح ، والقلب ، والسر .
ففقر النفس إلى اللّه تعالى يكون على سبيل القرب والرضاء .
وفقر السر إلى اللّه تعالى على سبيل المشاهدة واللقاء .
فكلما رأى العبد نفسه متحيرة ، على باب عهده ووفائه ، رجع بالافتقار إلى باب عفوه .
وكلما رأى روحه متحيرة ، على باب وده ومحبته ، رجع بالافتقار إلى باب عنايته .
ومن حقيقة الافتقار ، الاستكفاء بالكافي ، وطرح النفس السقيمة بين يدي المافي .
وأيضا حقيقته : انتظار السّبب من المسبّب ، مع رؤية السّبب ، والاشتغال بالمسبّب ، مع نسيان السّبب .
وأيضا : من حقيقته دوام التبصيص والاعتذار ، بلسان صدق الافتقار ، مع غاية الانكسار .
ومن حقيقته : تخليص الأسرار من رؤية الأعمال ، وترك الاعتماد على حسن الحال .
ومن حقيقته : أن لا ينصرف العبد عنه بخلقه ولا بملكه .
قيل لأبي عبد اللّه بن مقاتل - رحمه اللّه تعالى - :