ولا تغتر بصحبة الصالحين والزهّاد ، بغير الحرمة والمتابعة لهم ، فالصحبة لو نفعت ، لنفعت امرأة نوح ، وامرأة لوط ، ولأن الاغترار مدرجة من مدارج الاستدراج .
قال اللّه تعالى :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ لقمان :
33 ] .
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
( 6 ) [ الانفطار : 6 ] .
وذلك أن الشيطان ربما يأتي الزاهد ليغره ، فيقول : يا ولي اللّه ! ويا خيرته من خلقه ! أما ترى من ربك هذه الكرامات والعطايا ، والقرب والأنس ! .
أما تدري ما ألهمك ربك من كلام أهل المعرفة ، وحقائق أنواع الإشارات ! فهل يكون مثل هذا إلا لأهل محبته ، أما ترى حال قربك معه ، وكمال لطفه بك ، وأنك لو أقسمت على اللّه لأبرّك ! .
ولا شك أن الملائكة ينظرون إلى حركاتك وسكناتك ، وحسن أحوالك ، وقد رجح فضلك على أهل زمانك ، فما أغفل الناس عما أنت فيه ! .
حتى يغره بأنواع مكره وخديعته ، فإن تداركه اللّه بالفضل والرحمة ، وبصره بمكائد عدوه ، وعرج ملتجئا بسره إلى سرادقات قدرته ، فعند ذلك يسلم من درجات آفات الاستدراج .
واعلم أن قلوب أهل المحبة ، لا تزال تموج من خوف الاستدراج كما تموج البحار ، حتى يصير كلّ ما فيه باللّه للّه .
ورأيت مكتوبا على عصا واحد .
كلّ ذنب لك مغفو * ر سوى الإعراض عنّي
فقلت :
إن كنت أعرضت فقد تبت * عدت إلى الوصل كما كنت
وليس لي جرم سوى أنّني * نظرت في الحبّ فعوقبت
* * *