فينبغي للعبد أن لا يعتمد على حسن أوقاته ، وكثرة حسناته ، فكم من أحد تراه في زي المريدين ، وهو في علم اللّه من المطرودين ! ولا يشعر أن اللّه - تعالى - ربما يزيّن عدوّه بلباس أوليائه ، ثم يرده آخر الأمر إلى بعده .
وربما يكسو وليه لباس الأعداء ، ثم يرده آخر الأمر إلى حقائق كرمه ، لأنه هو يبدىء ويعيد .
يعني : يبدىء على أوليائه صفات أعدائه ، وعلى أعدائه صفات أوليائه ، ثم يعيدهم إلى حقائق معلومة ، وهو الفعّال لما يريد ، بإظهار فضله في أهل عدله ، وإظهار عدله في أهل فضله .
ألا ترى أن اللّه تعالى زيّن إبليس بزينة عصمته ، وهو في سابق علمه من أهل اللعنة ؟ ستر عليه ما سبق منه إليه ، حتى أظهر أمره في العاقبة .
وكذلك زين « بلعام » [ وهو رجل من بني إسرائيل جحد فضل اللّه تعالى ] بأنوار ولايته ، وهو عند اللّه تعالى من أهل سخطه .
وأغرق قارون في بحار نعمته ، وهو عند اللّه تعالى من أهل سخطه .
لا يغرنك باللّه أربعة أشياء :
1 - إظهاره لك ما لم تعلم .
2 - وستره عليك بما قد عملت .
3 - وزيادته لك فيما لم تشكره .
4 - وإعطاؤه إياك ما لم تسأله .
فإنه ربما أراد اللّه تنبيها لك أو استدراجا .
وقال يوسف بن الحسين رحمه اللّه تعالى :
من رأى صنع الربوبية ، عند إقامة العبودية ، انقطع عن نفسه ، واعتصم بربه ، وفوّض أمره إليه ، فحينئذ يسلم من آفات الاستدراج .
وكان يحيى بن معاذ - رحمه اللّه تعالى - يقول :
يا معشر المستورين بالنعم والعصم ! لا تغترّوا ، فإن تحتها آفات النّقم .
لا تغترّوا بعمارة الأوقات ، فإن تحتها غوامض الآفات .
ولا تغترّوا بصفاء العبودية ، فإن فيها نسيان الربوبية .
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 103
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٠٣