وقال بعض أهل المعرفة : كلما ظننت أني وجدت ، فحينئذ فقدت ، وكلما ظننت أني فقدت فحينئذ وجدت .
إلهي ، إن تركتك طلبتني ، وإن طلبتك طردتني ، لا معك قرار ، ولا مع غيرك أنس ، فالمستغاث منك إليك .
وقال أبو يعقوب رحمه اللّه تعالى : أجهل ما يكون العبد باللّه ، إذا ظنّ أنه استغنى عن الدنيا بالمعرفة .
وقال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : ذنب افتقرت به إليه ، خير من طاعة افتخرت بها عليه .
وكان فضيل كثيرا ما يبكي ويردد هذه الآية :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزّمر : 47 ] يقول : عملوا أعمالا حسبوا أنها حسنات ، فإذا هي سيئات ! حين يبدو لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ! .
* أي بني ! المعرفة مستقر ومستودع ، مستقر في قلوب الأولياء ، ومستودع في قلوب الأعداء ، ثم يسلب في آخر الأمر ، فليس للموفق أن يعتمد على توفيقه ، ويأمن من مكره ، ولا للمخذول أن ييأس من روح ربه .
وربما يرى الرجل للرجل الرؤيا الصالحة ، وهو استدراج من اللّه تعالى .
كما حكي أن رجلا من أهل الشام ، أتى إلى العلاء بن زياد وقال له : إني رأيتك في المنام ، كأنك من أهل الجنة .
فترك مجلسه وأخذ في البكاء ، وقال : لعل اللّه أراد أمرا ؟ .
أصل الاستدراج نسيان اللّه :
قيل : أصل الاستدراج نسيان الحق ، والاستغناء بمن دونه ، والتعلق بما سواه ، والالتفات منه إلى غيره .
وليس على تحقيق في المعرفة من يغتر بكثرة العلم والعمل ، لأن إبليس كان معلم الملائكة ، ثم في آخر الأمر نظر إلى نفسه وعبادته .
وترك أمرا من أوامر اللّه ، فصار من الملعونين المطرودين أبد الآبدين .
وإياك أن تغتر بعمارة الأوقات ، وصفاء الأحوال ، فإن « برصيصا » ( رجل كفر باللّه بعد إيمانه ) » و « بلعام » كانا أعبد الناس في زمانهما وأحسنهم حالا ! وفي آخر الأمر مالا إلى النفس والهوى ، فصارا مفتضحين في الدنيا والآخرة ! .