والأمر كما قال ، فيا ربّ مستدرج بالإحسان إليه ، ويا ربّ مغتر بالثناء عليه ، ويا ربّ مفتون بالنعم عليه ، ويا ربّ مستهلك بالستر عليه ! .
فمن لم يكن باطنه في ملازمة الحق تعالى عين ظاهره ، كان شكه أغلب من يقينه ، وإن كان ظاهره يدل على أوصاف الموقنين ، وفقدان أنوار الباطن من رؤية حركات الظاهر ، والغفلة عن غوامض آفات الاستدراج من رؤية صفاء العبودية .
فليس للموفق أن يعتمد ، ولا للمخذول أن ييئس .
واستدراج أهل الذنوب الركون إليها ، والإصرار على الإعراض عن اللّه سبحانه .
واستدراج أهل العلم : طلب الجاه والمنزلة عند الخلق .
واستدراج أهل الاجتهاد : الاستكثار والإعجاب .
واستدراج المريدين تطلعهم إلى العطايا والكرامات ، وسكونهم إليها .
واستدراج العارفين : استغناؤهم بالمعرفة دون المعروف ، حتى جعلوا لها حدا وغاية ونهاية ، وظنوا أنهم قد أحاطوا بها ! فكل من كان منزلته أرفع ، كان استدراجه أعظم وأدق .
كم من مذكّر للّه ، ناسي اللّه ! .
وكم من مخوف باللّه ، جريء على اللّه ! .
وكم من داع إلى اللّه ، بعيد من اللّه ! .
وكم من تال كتاب اللّه ، منسلخ من آيات اللّه ؟ .
وقال أبو سعيد الخراز رحمه اللّه تعالى : لو كنت تركت الدنيا وافتخرت بتركها ، فالفخر أعظم من إمساكها .
ولو تركت عيوب النفس وأعجبت بتركها ، فالعجب عيبه أكبر .
ولو جهدت وتعلقت بجهدك ، فتعلقك أعظم الاستراحة .
ولو خفت وأمنت على أنك خفت ، فالأمن من الخوف أكبر .
ثم قال : رؤية القرب في القرب ، أقرب البعد .
ورؤية الأنس في الأنس أعظم الوحشة .
ورؤية الذكر في الذكر أشد النسيان .
ورؤية المعرفة في المعرفة أكبر النكرة .
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 104
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٠٤