قال الأنطاكي رحمه اللّه تعالى : إن وجدت رينا في قلبك فأدم الصيام ، فإن وجدت رينا فأقل الكلام ، فإن وجدت رينا ، فاترك الآثام ، فإن وجدت رينا فأكثر البكاء والتضرع إلى الملك العلّام .
ويقال : الجهل كله موت ، إلا من يرزقه اللّه العلم ؛ والعلم كله حجة ، إلا من وفقه اللّه للعمل به ؛ والعمل كله هباء منثور ، إلا أن يكون صافيا للّه ؛ وأهل الصفاء على خطر عظيم ، إلا أن يسلّموا ذلك إلى اللّه تعالى بلا عيب .
ويجب على العبد أن ينظر في حال أكله وشربه ، ولباسه وكلامه ، وحركاته وإرادته : فيدع منها ما كدر ، وليأخذ ما صفا ؛ لأن صفاوة الأوقات على قدر صفاوة الأحوال .
قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( 89 ) [ الشّعراء : 88 ، 89 ] .
وقال ذو النون رحمه اللّه تعالى : إن للّه عبادا ، يبلغون في درجة الصفاء مقاما تقع فيه فراستهم على سر الناس ، فيعرفون السعداء من الأشقياء :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] من عباده .
وقيل لأبي عبد اللّه رحمه اللّه تعالى : ما فضل أهل الصفاء على غيرهم ؟ .
قال : رفع الحجاب عنهم ، واتهام الوشاة فيهم ، وإفشاء الأسرار إليهم .
قيل : هل يكون لأهل الصفاء حلاوة العبادة ؟ .
قال : أما قبل رؤية المنّة فنعم ، وأما قبل رؤية العبادة : فلا ، بلا تعليق .
وقيل لبعضهم : متى يعرف الرجل أنه من أهل الصفاء ؟ .
فقال : إذا ستر جميع المعاصي بستر التوبة ، وستر جميع الخيرات بذكر ستر المنّة ، وستر ما دون اللّه بستر اللّه تعالى .
حال أهل الصفاء :
وحكي أن بهلولا كان لا يأخذ شيئا من أحد ، وإن أكثر عليه الإلحاح ، فقيل له في ذلك ، فقال : أمرنا أن لا نأخذ بالواسطة ، لأن منها ذهاب الصفاء . قيل : وما الصفاء ؟ .
قال : طيران القلب بأجنحة الاشتياق لرب العالمين .