وعين الكبرى : تشاهد تجلّي أنوار الذّات في عالم اللّاهوت ، وهو القربة بنور التّوحيد الأحديّة . وحصول هذه المراتب للإنسان بالموت ، وقبل الموت بالفناء من البشريّة النّفسانيّة ، ووصل العبد إلى ذلك العالم بقدر الانقطاع من البشريّة النّفسانيّة .
وليس معنى الوصول إلى اللّه تعالى من قبيل وصول الجسم إلى المجسم ، ولا العلم بالمعلوم ، ولا العقل بالمعقول ، ولا الوهم بالموهوم . فمعنى الوصول : بقدر الانقطاع عن غيره بلا قرب ولا بعد ولا جهة ولا مقابلة ولا اتصال ولا انفصال .
فسبحان من في ظهوره وخفائه وتجلّيه واستتاره وفي معرفته حكمة عظيمة .
فمن حصّل ذلك المعنى في الدّنيا وحاسب نفسه قبل أن يحاسب فهو من المفلحين ، وإلّا فمستقبله عقوبات من عذاب القبر والحشر والحساب والميزان والصّراط وغير ذلك من شدائد الآخرة .
الفصل الحادي عشر في بيان السّعادة والشّقاوة
اعلم أنّ النّاس لا يخلو من هذين القسمين ، وكذا هما يوجدان في إنسان واحد . فإذا غلبت حسناته وإخلاصه تبدّلت جهة شقاوته إلى السّعادة - يعني : تبدّلت نفسانيّته إلى روحانيّته - وإذا اتبع هواه انعكس الأمر ، وإذا استوت الجهتان فالرّجاء والخير كما قال اللّه تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها . . .
[ الأنعام : الآية 160 ] فزاد به وضع الميزان لأجلهما ؛ لأنّ تبدّل النّفسانيّة إلى الرّوحانيّة بالكلّية ، فلا حاجة إلى الميزان ، فهو يجيء بغير حساب ويدخل الجنّة ، وكذا عكسه يدخل النّار بلا حساب . فمن ترجح حسناته دخل الجنّة بلا عذاب كما قال اللّه تعالى :
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 7 ) [ القارعة : الآيتان 6 ، 7 ] .
ومن ترجح سيئاته يعذّب بقدر جنايته ، ثمّ يخرج من النّار إن كان له إيمان ويدخل الجنّة .
ومرادنا من السّعادة والشّقاوة معنى الحسنات والسّيئات يتبدل أحدهما بالأخرى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « السّعيد قد يشقى ، والشّقيّ قد يسعد » « 1 » . فإذا غلبت الحسنات يكون سعيدا ، وإذا غلبت السّيئات يكون شقيّا ، فمن
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .