تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فالواجب على العبد طلب حياة القلبيّة الأخرويّة من أهل التّلقين في الدّنيا قبل فوت الوقت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من طلب الدّنيا بأعمال الآخرة فلا نصيب له في الآخرة » « 1 » فالدّنيا مزرعة الآخرة ، فإذا لم يزرعه في هذه لم يحصد في الآخرة . والمراد من المزرعة : أرض الوجود لا الآفاق .

الفصل التّاسع في بيان رؤية اللّه تعالى

فالرّؤية على نوعين : رؤية جمالية في الآخرة بلا واسطة مرآة القلب . ورؤية صفاته في الدّنيا بواسطة مرآة القلب بنظر الفؤاد من عكس أنوار الجمال كما قال اللّه تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) [ النّجم : الآية 11 ] ، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المؤمن مرآة المؤمن » « 2 » والمراد من المؤمن الأوّل قلب عبد المؤمن ، ومن الثّاني هو اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى :
. . . السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ . . .
[ الحشر : الآية 23 ] فمن رأى صفاته في الدّنيا يرى ذاته في الآخرة بلا كيف . وجميع الدعاوى الّتي صدرت عن الأولياء في رؤية اللّه تعالى كقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : رأى قلبي ربي - أي : بنور ربي - وقول عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لا أعبد ربّا لم أره . فذلك كلّه مشاهدة الصّفات ، كما أنّ من رأى شعاع الشّمس من المشكاة ونحوها صحّ له أن يقول رأيت الشّمس على سبيل التّوسع ، وقد مثّل اللّه تعالى نوره في كلامه باعتبار صفاته بقوله تعالى :
. . . كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ . . .
[ النّور : الآية 35 ] فقد قالوا : المشكاة قلب المؤمن والمصباح سرّ الفؤاد ، وهو الرّوح السّلطانيّ ، والزّجاجة الفؤاد ، وصفت بالدّريّة في شدّة نورانيّة ، ثمّ بيّن المعدن فقال اللّه تعالى :
. . . يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ . . .
[ النور : الآية 35 ] ، وهي شجرة التّلقين ، والتّوحيد الخاصّ يكون من لسان القدس بلا واسطة كما تعلّق القرآن بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منه في الأصل ، ثم نزل جبرائيل عليه السّلام لمصلحة العوام ، وإنكار الكافر والمنافق . والدّليل عليه قوله تعالى :
. . . لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
[ النّمل : الآية 6 ] ولذلك يشرع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويسبق جبرائيل عليه السّلام في الوحي ، حتّى نزلت فيه آية كما قال اللّه تعالى :
. . . وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ . . .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 297 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه .
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار — صفحة 31 | أحمد فريد المزيدي / عبد القادر الجيلاني